الجعدبي يكشف حرباً سعودية استهدفت الثروة النفطية اليمنية: احتياطيات هائلة جرى إخفاؤها وردم آبارها وإحراق ملفاتها

المراسل : متابعات

 

كد الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي أن الثروة النفطية اليمنية تعرضت، على مدى عقود، لعملية استهداف ممنهجة هدفت إلى حرمان اليمن من الاستفادة من موارده الطبيعية، عبر تقييد عمليات الإنتاج والاستكشاف، وإخفاء الدراسات الجيولوجية، وإتلاف المعلومات النفطية، والسيطرة على القرار السيادي للقطاع النفطي، معتبراً أن هذه السياسات كانت تقودها السعودية عبر شبكة من العملاء والمرتبطين بـ”اللجنة الخاصة”، بهدف إبقاء اليمن بلداً فقيراً ومنع تحوله إلى قوة اقتصادية.

وفي مداخلة مطولة على قناة المسيرة، أوضح الجعدبي أن الدراسات الموثقة، والتي تم تسريبها مؤخراً، تؤكد أن الجمهورية اليمنية تعد أحد أهم مكامن النفط في العالم، وتحتوي على أكثر من 35% من احتياطيات النفط العالمية، بما يفوق احتياطيات دول الخليج، بينما تعمدت الدراسات التي أعدتها جهات مرتبطة بالسعودية التقليل من حجم هذه الثروة، عبر الادعاء بأن اليمن لا يمتلك سوى 12 مليار برميل من النفط، واعتبارها كميات غير مؤكدة، في حين لم تعترف إلا بوجود 3 مليارات برميل مؤكدة من النفط الخام، إضافة إلى نحو 16 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تمثل سوى 4% فقط من الخريطة النفطية اليمنية، مؤكداً أن 96% من الثروة النفطية لم يتم الإعلان عنها، وأن الدراسات المتعلقة بها تعرضت للإخفاء والتكتم، بل وصل الأمر إلى إحراق الدراسات النفطية وردم الآبار بالإسمنت لمنع الاستفادة منها مستقبلاً.

وأضاف أن السعودية استكثرت حتى هذه النسبة المحدودة التي لا تتجاوز 4%، ولم تسمح لليمن باستغلال سوى 12 قطاعاً نفطياً فقط، رغم وجود مئات القطاعات النفطية، بينما جرى تصنيف بقية القطاعات على أنها تحت الاستكشاف أو المشاركة أو المصادقة أو بقيت مفتوحة دون استثمار فعلي.

واستعرض الجعدبي تطور إنتاج النفط اليمني، موضحاً أنه قبل قيام الوحدة اليمنية كان اليمن يمتلك حقلاً نفطياً واحداً فقط هو حقل مأرب – الجوف (صافر)، ومع ذلك بلغ إنتاجه نحو 190 ألف برميل يومياً، مضيفاً أنه بعد تحقيق الوحدة اليمنية وانضمام 11 حقلاً نفطياً جديداً خلال الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2014، كان من المفترض أن يرتفع الإنتاج بصورة كبيرة، خصوصاً مع دخول اليمن نادي الدول المصدرة للغاز، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، حيث تراجع الإنتاج إلى نحو 170 ألف برميل يومياً، لافتاً إلى أن الجمهورية العربية اليمنية قبل الوحدة كانت تنتج نفطاً أكثر مما أنتجته الجمهورية اليمنية بعد الوحدة رغم زيادة عدد الحقول.

ولفت إلى أن هذه السياسة كانت متوافقة مع ما سبق أن تحدث عنه السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، عندما أكد أن السعودية حرصت على إبقاء إنتاج اليمن ضمن سقف محدد، ثم عملت على نهب هذا الإنتاج عبر مجموعة من العملاء والمرتزقة.

وبيّن الجعدبي أن أعلى مستوى وصل إليه إنتاج النفط اليمني بلغ 438 ألف برميل يومياً خلال الفترة التي سبقت مباشرة توقيع اتفاقية جدة عامي 2000-2001، إلا أن الإنتاج بدأ بالتراجع بصورة ملحوظة فور توقيع الاتفاقية.

كما بيّن أن إنتاج حقل مأرب انخفض من نحو 85 ألف برميل يومياً إلى ما بين 20 و30 ألف برميل، كما تراجع إنتاج حقل المسيلة من 85 ألف برميل إلى نحو 50 ألفاً ثم 30 ألف برميل يومياً.

وأكد أن السعودية انتهجت عدة وسائل لإضعاف القطاع النفطي اليمني، تمثلت في منع الاستكشاف الكامل للحقول، وإخضاع الشركات العاملة للإشراف السعودي، والسيطرة على المناطق الحدودية الغنية بالنفط، إضافة إلى استخدام تقنية الآبار الأفقية لاستنزاف المكامن النفطية المشتركة.

وأشار إلى أن التقرير الذي استند إليه وثق ارتباط كبار المسؤولين اليمنيين السابقين باللجنة الخاصة، ابتداءً من الخائن عفاش، ورؤساء الحكومات، ورؤساء مجلس النواب، والمشايخ، ووكلاء الوزارات، والقيادات العاملة في القطاع النفطي، مؤكدين أنهم كانوا يتقاضون مخصصات مالية شهرية منها.

وأضاف الجعدبي أن السعودية لم تكتفِ بتقييد الإنتاج النفطي داخل اليمن، بل عملت على إحكام سيطرتها على المناطق الحدودية الغنية بالنفط، فضلاً عن استغلال ما وصفه بالمكامن المشتركة في نجران وجيزان وعسير، معتبراً أن هذه المناطق تعد من أغنى المناطق النفطية.

واستشهد في هذا السياق بتصريحات موثقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال إحدى حملاته الانتخابية، والتي أكد فيها أن السبب الرئيسي للحرب السعودية على اليمن هو النفط، مشيراً إلى وجود شريط حدودي غني بالثروات النفطية كان يمثل الدافع الأساسي وراء العدوان.

وأوضح أن الهدف من هذه السياسة، وفق ما أشار إليه السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، كان إبقاء الشعب اليمني فقيراً وخاضعاً لهيمنة مجموعة من العملاء واللصوص الذين يديرون ثرواته لصالح الخارج.

وتطرق الجعدبي إلى أن حجم الإنتاج الحقيقي كان سيختلف جذرياً لو أُتيح لليمن استغلال ثرواته بصورة مستقلة، مستشهداً بما أورده أنور عشقي، الذي قال إن حقلاً واحداً فقط في منطقة الربع الخالي ينتج نحو خمسة ملايين برميل يومياً، في وقت لم يكن الإنتاج المعلن لكامل الحقول اليمنية يتجاوز 170 إلى 200 ألف برميل يومياً.

وأوضح أن اليمن أنتج خلال نحو أربعين عاماً ما يقارب ثلاثة مليارات برميل من النفط، إلا أن ذلك لم ينعكس على الاقتصاد الوطني، بل كانت النتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار من أربعة ريالات يمنية إلى نحو 250 ريالاً، وهو ما اعتبره دليلاً على أن العائدات لم تخدم الاقتصاد اليمني.

وشدّد على أنه لو تمكن اليمن من استغلال جميع حقوله وقطاعاته النفطية بصورة كاملة، لكان الوضع مختلفاً تماماً، مشيراً إلى وجود أكثر من 500 حقل وأكثر من 500 قطاع نفطي، بينما لم يُتح للإنتاج سوى 100 قطاع فقط، ومن هذه القطاعات لا ينتج فعلياً سوى 12 قطاعاً.

وقال إن استغلال هذه الثروة كان كفيلاً بتحسين الناتج المحلي، ورفع مستوى معيشة المواطن اليمني، لافتاً إلى أن دولاً مجاورة كانت أوضاعها الاقتصادية أفقر من اليمن، لكنها استطاعت تحقيق نهضة اقتصادية بعد استثمار مواردها الطبيعية، في حين حُرم اليمن من هذا الحق.

وذكّر بأن السعودية منعت عمليات الاستكشاف في المناطق الغنية بالنفط، خصوصاً محافظة الجوف والمناطق الحدودية في حضرموت وشبوة ومأرب، كما أشار إلى أنها تواصلت مؤخراً مع شركة جوجل لإزالة أسماء القرى الواقعة في المناطق الحدودية، وبخاصة في منطقة الخراخير، تمهيداً لمشروع خط أنبوب نفطي يمتد من الخراخير إلى المهرة ثم إلى البحر العربي، بهدف تجاوز مضيق هرمز.

وجزم بأن السعودية تدرك أن استعادة اليمن السيطرة على ثرواته الطبيعية واستخراجها بقيادة وطنية مستقلة وشريفة سيؤدي إلى فقدانها أدوات النفوذ التي استخدمتها لعقود داخل اليمن، مشيراً إلى أن السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي وصف السعودية بأنها أداة بيد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

ورأى الجعدبي أن السعودية تدرك أن النفط يمثل عصب الحياة الاقتصادية، ولذلك لم تستهدف الحقول النفطية فحسب، وإنما استهدفت أيضاً البنية التحتية النفطية بالكامل، بما في ذلك الموانئ والمنشآت والخزانات وخطوط نقل النفط.

وبشأن الحرب السعودية النفطية خلال فترة العدوان على اليمن، تطرق الجعدبي إلى أن العدوان السعودي استغل العدوان لتدمير ميناء رأس عيسى وميناء الصليف بصورة مباشرة ومنهجية، حيث جرى تدمير خزانات النفط والمنشآت النفطية وخطوط النقل، بهدف منع اليمن من امتلاك بنية تحتية قادرة على إدارة ثرواته النفطية.

وفي المحور الأخير من حديثه، تطرق الجعدبي إلى بدايات الاستثمار النفطي في اليمن، مشيراً إلى أن رئيس شركة هنت الأمريكية قال خلال لقائه بالخائن عفاش في منطقة صافر إن الشركة أصبحت تنتج النفط من منطقة لا توجد فيها اضطرابات كالتي يشهدها الخليج، معتبراً أن ذلك يعكس توجه الولايات المتحدة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، للبحث عن مصادر نفط آمنة بعيداً عن تداعيات الحرب العراقية الإيرانية.

وأوضح أن أول شركة دخلت القطاع النفطي اليمني كانت شركة هنت الأمريكية، مؤكداً أن وجودها ارتبط بهذه الرؤية الاستراتيجية.

وأضاف أن شركة صهيونية تحمل اسم “إس كي إنوفيشن” كانت موجودة في حقل صافر منذ عام 1986، لكنها كانت تعمل عبر واجهة كورية، ومن خلال عقود استثمارية مشتركة تعرف باسم “الجوينت فينتشر” مع الشركة الكورية، بينما كانت هويتها الحقيقية إسرائيلية.

وأشار إلى أن السعودية استعانت في تنفيذ هذه السياسات بشركات أمريكية وتقنيات نفطية متقدمة معروفة لدى العاملين في قطاع النفط، معتبراً أن نجاح هذه الآلية كان يتطلب تعطيل أي أعمال استكشاف في المناطق اليمنية المقابلة، خصوصاً في الجوف، إضافة إلى المناطق الحدودية في حضرموت وشبوة ومأرب.

واعتبر الجعدبي أنه من غير المنطقي، من الناحيتين الجغرافية والجيولوجية، أن يكون الخزان النفطي واحداً ومشتركاً، بينما يصل إنتاج الجانب السعودي منه إلى 12 مليون برميل يومياً، في حين لا يتجاوز إنتاج الجانب اليمني 170 ألف برميل يومياً، مؤكداً أن هذا الفارق الكبير يعكس وجود سياسات متعمدة لمنع اليمن من استغلال موارده.

وأكد الجعدبي أن ما عرضته قناة المسيرة في برنامج “الحقيقة لا غير” أظهر آباراً نفطية رُدمت بالإسمنت، مشدداً على أن الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل إن ملفات الاستكشافات النفطية نُقلت خلال فترة حكم الخائن عفاش إلى السفارة السعودية، حيث أُحرقت داخل السفارة حتى لا يتمكن أبناء الشعب اليمني من الاطلاع عليها أو الاستفادة منها مستقبلاً.

وأوضح أن هذه الملفات كانت تتعلق بنتائج استكشافات نفطية مهمة، معتبراً أن إتلافها يمثل جزءاً من خطة ممنهجة لتدمير المعلومات النفطية اليمنية وطمس الحقائق المتعلقة بحجم الثروة الوطنية.

وفي ختام مداخلته، جدد الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي التأكيد على أن العدوان لا يزال يسعى إلى تدمير مقدرات الشعب اليمني بصورة كاملة، مؤكداً أن الاستهداف لم يقتصر على النفط والغاز فحسب، وإنما شمل مختلف الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الثروة المعدنية، في إطار خطة متواصلة لمنع اليمن من امتلاك مقومات النهوض الاقتصادي واستثمار ثرواته الوطنية.

الأقسام: الاخبار,المراسل العام,اهم الاخبار