قنديل: الردع اليمني يضع السعودية في دائرة الخطر الشامل ويفرض عليها البحث عن حل سياسي بدل الرهان العسكري

المراسل : متابعات

 

 

أعاد اتساع نطاق الاستهدافات اليمنية للمنشآت النفطية والحيوية السعودية طرح تداعيات التصعيد السعودي على أمن المملكة واقتصادها ومستقبل مشاريعها الاستثمارية، في ظل استمرار الردع اليمني وتراجع قدرة الرهان العسكري السعودي على تغيير موازين القوى.

وامتدت المعادلة، التي استحضرت تجربة استهداف منشآت أرامكو عام 2019، إلى خطوط نقل النفط ومرافق التصدير والمنشآت الاستراتيجية، بما وضع مشروع التحول الاقتصادي السعودي أمام تحديات تتجاوز الخسائر المباشرة إلى مسألة الاستقرار والأمان اللازمين لجذب الاستثمارات.

وفي موازاة ذلك، واجهت التحشيدات السعودية التي أُعدت للتحرك داخل اليمن صعوبات في تحقيق أهدافها، رغم ما أُنفق عليها من أموال وما زُودت به من أسلحة وإمكانات.

ومع استمرار العمليات اليمنية على مواقع التحشيد والقواعد والمنشآت الحيوية، برزت تساؤلات بشأن جدوى مواصلة التصعيد، وقدرة السعودية على حماية منشآتها وتوفير مخزون كافٍ من صواريخ الدفاع الجوي، في وقت تتحدث فيه تقارير عن انتقال مسؤولين سعوديين إلى ملاجئ محصنة وتعليق أنشطة اقتصادية وترفيهية.

رئيس تحرير صحيفة “البناء” اللبنانية المحلل السياسي الأستاذ ناصر قنديل، تناول أبعاد هذه التطورات، مستعيداً التحذيرات التي أعقبت استهداف أرامكو عام 2019، ومحللاً تداعيات المواجهة على الاقتصاد السعودي والقدرات الدفاعية وموازين القوى الميدانية، إلى جانب التحولات في الموقفين الدبلوماسي والدولي، ومؤشرات متزايدة على الاتجاه نحو البحث عن تسوية سياسية بعد تعثر الرهان العسكري.

 

تكرار تجربة أرامكو 2019 على نطاق أوسع:

واستهل قنديل حديثه بالإشارة إلى أن ما شهدته السعودية أعاد إلى الأذهان استهداف منشآت أرامكو عام 2019، لكن على نطاق جغرافي أوسع شمل المنشآت الاقتصادية والحيوية والنفطية والاستراتيجية في شمال المملكة وجنوبها وشرقها وغربها.

واستعاد مقال الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز”، الذي حمل عنوان “إعادة حساب” عقب استهداف أرامكو، موضحاً أن فريدمان دعا القيادة السعودية آنذاك إلى مراجعة حساباتها بعد سقوط الرهان على الحماية الأمريكية، وفشل الرهان على إمكان الجمع بين الحرب على اليمن والمضي في تنفيذ مشروع اقتصادي ضخم.

وأشار قنديل إلى أن سبع سنوات مضت منذ تلك التجربة، لكن القيادة السعودية، وعلى رأسها ولي العهد محمد بن سلمان، واصلت السياسة نفسها، لتواجه نتائج أكبر بكثير مما حدث سابقاً.

وربط اتساع دائرة الاستهدافات بخط شرق-غرب لنقل النفط، ومنشآت أرامكو في ينبع، ومنشآت الدمام ومقر إدارة الشركة، والمرافق النفطية المنتشرة في مدن سعودية عدة، إضافة إلى مطار الملك خالد، معتبراً أن استمرار النصعيد وضع المشروع التنموي السعودي المعروف باسم “رؤية 2030” أمام مخاطر متزايدة.

 

العدوان على اليمن يهدد مشروع التحول الاقتصادي السعودي:

وفي سياق متصل، أكد قنديل أن الإصرار على إخضاع اليمن وفرض الهيمنة على قراره وسيادته مثّل العامل الأساسي وراء تعريض المشاريع الاقتصادية السعودية للخطر.

وقال إن اليمنيين لم يطالبوا بأراضٍ سعودية أو بالانتقاص من السيادة السعودية، وإنما دعوا إلى حسن الجوار وإقامة علاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل، لكن السعودية واصلت العدوان تحت عنوان الدفاع عن ما تسمى الشرعية.

واستعرض قنديل مسار هذه الشرعية المزعومة، مشيراً إلى أن ولاية هادي الانتقالية انتهت عام 2014، وأنه كان من المفترض أن تمهد المرحلة الانتقالية لانتخابات رئاسية وبرلمانية، مضيفاً أن هادي مدّد لنفسه، ثم عيّن عام 2022 مجلساً قيادياً بصلاحيات لم تستند إلى الدستور.

واعتبر أن السعودية، بدلاً من رعاية حوار بين اليمنيين، أصبحت الطرف المباشر في العدوان على اليمن، وأن استمرار التدخل العسكري وتقييد حركة اليمنيين وإغلاق المطارات والموانئ دفعا المواجهة إلى مستوى لم يعد ممكناً احتواؤه بالآليات السابقة.

وشدد على أن حماية الاقتصاد السعودي والاستثمار فيه تتطلب توفير الأمن والاستقرار، متسائلاً عن إمكانية تنفيذ مشاريع نقل النفط وبناء الفنادق والمنشآت الكبرى وإقامة الفعاليات الترفيهية بينما ظلت المنشآت السعودية تحت تهديد الضربات اليمنية.

واستشهد بإعلان إيقاف أنشطة تابعة لقطاع الترفيه، معتبراً أن ذلك كشف التناقض بين مشروع الانفتاح الاقتصادي واستجلاب الاستثمارات من جهة، واستمرار الحرب على اليمن من جهة أخرى.

 

تعثر التحشيدات البرية رغم الدعم العسكري:

وانتقل قنديل إلى نتائج المواجهات البرية، مشيراً إلى أن القوات التي أُعدت للتحرك داخل اليمن حظيت بأموال وأسلحة متطورة وخبرات وتدريب وإعادة هيكلة، لكن أداءها الميداني لم يحقق الأهداف التي أُعدت لها.

ولفت إلى أن التحشيدات المدعومة سعودياً واجهت القوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي وتعز ومناطق أخرى، بينما تحدثت التطورات الميدانية، وفق عرضه، عن تراجع سقف الأهداف من التقدم نحو صنعاء إلى محاولة حماية عدن ومنع سقوط تعز.

ورأى أن الفارق الكبير في موارد الإمداد بين الطرفين لم يفسر وحده التحولات الميدانية، معتبراً أن التفاف الشعب اليمني حول القيادة صنعاء كان عاملاً أساسياً في استمرار المواجهة وتغير موازين القوى.

كما انتقد الحديث عن وجود مئات الآلاف من الجنود المدعومين سعودياً، متسائلاً عن دور هذه القوات في معارك الساحل وتعز وغيرها، في ظل عدم تحقق الأهداف التي رُسمت لها.

وأكد أن اليمن لم يكن قابلاً للإخضاع من الخارج عبر تاريخه، مستحضراً محاولات قوى خارجية سابقة، وقال إن المصلحة السعودية تكمن في وقف التدخل في الشؤون اليمنية، والكف عن محاولة السيطرة على الثروات وفرض الهيمنة وإغلاق المطارات والموانئ.

 

استنزاف صواريخ الدفاع الجوي وصعوبة حماية المنشآت:

وفي سياق متصل، خصص قنديل جانباً من حديثه للقدرات الدفاعية السعودية، مشيراً إلى استنزاف صواريخ الاعتراض الجوي وصعوبة تعويض الذخائر المستخدمة في مواجهة الصواريخ اليمنية.

واستشهد بتقارير تحدثت عن حصول السعودية على أربعين صاروخ باتريوت من مصر واثني عشر صاروخاً من ألمانيا، إلى جانب محاولات جمع صواريخ إضافية من الإمارات وغيرها، في وقت أشار فيه إلى أن صفقة سعودية مع شركة “لوكهيد مارتن” بقيمة سبعة مليارات دولار لم تكن كافية لتوفير التعويض المطلوب.

وبيّن أن النقص في صواريخ الدفاع الجوي لم يقتصر على السعودية، بل شمل دولاً أخرى، مستشهداً بما ذكره عن شكاوى من نقص هذه الذخائر في أوكرانيا وكيان العدو الصهيوني، وعن نقل الولايات المتحدة صواريخ من اليابان وكوريا الجنوبية لدعم احتياجاتها العسكرية.

وقال إن هذه التطورات أوجدت مأزقاً استراتيجياً، لأن حماية المنشآت السعودية المنتشرة على مساحة واسعة تتطلب نشر بطاريات الدفاع الجوي في مناطق عديدة وتزويدها بمخزون كافٍ من صواريخ الاعتراض.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك، وفق الأرقام التي أوردها، 109 بطاريات باتريوت، لكنه قال إن القادر على العمل منها لم يتجاوز عشر بطاريات، وإن بعضها لم يكن ممتلئاً بذخيرته الكاملة بسبب النقص في الصواريخ.

وأضاف أن تجميع البطاريات المتاحة حول القصور الملكية وبعض المنشآت الحيوية المحدودة لم يوفر حماية شاملة للمملكة، نظراً إلى انتشار المنشآت النفطية والمطارات وخطوط نقل النفط ومرافق الطاقة على مساحة واسعة، وقدّر عدد المنشآت التي تحتاج إلى حماية بنحو 600 منشأة.

وتحدث قنديل عن اعتماد اليمنيين على إطلاق الصواريخ بصورة متتابعة، وعن استخدام أساليب تقنية عطلت قدرة بطاريات باتريوت وراداراتها على اكتشاف الصواريخ اليمنية والتعامل معها، ما سمح بوصول ضربات إلى أهدافها.

ورأى أن مواصلة المواجهة ستزيد من كفاءة القدرات اليمنية ومخزونها، في مقابل تراجع كفاءة الدفاعات السعودية ومخزون صواريخ الاعتراض.

وشدّد على أن محاولات الاستعانة بأنظمة دفاعية من دول أخرى، بينها باكستان وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لن تكون مجدية للنظام السعودي.

 

انتقال المسؤولين إلى الملاجئ يفاقم مخاوف المستثمرين:

وفي حديثه، تناول قنديل تقارير صحفية أمريكية، بينها ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، بشأن انتقال وزراء ومسؤولين سعوديين إلى ملاجئ محصنة، وما تردد عن تنقل ولي العهد محمد بن سلمان بين ملاجئ مؤمنة.

واعتبر أن هذه التقارير عكست حجم المخاوف الأمنية التي رافقت اتساع الاستهدافات، وأثارت تساؤلات حول قدرة السعودية على تقديم الضمانات اللازمة للمستثمرين في ظل استمرار الحرب.

وقال إن الاستثمار لا يمكن أن يستمر من دون أمن، وإن مشاريع الفنادق الكبرى والأنشطة الترفيهية وخطوط نقل النفط تحتاج إلى بيئة مستقرة، بينما جعلت المواجهة هذه المشاريع عرضة للمخاطر.

وأضاف أن السعودية كانت تملك فرصاً اقتصادية وثروات طبيعية تجذب المستثمرين، لكن الذهاب إلى مواجهة واسعة مع اليمن أضعف فرص مشروع التحول الاقتصادي، وهدد صورة المملكة باعتبارها بيئة آمنة للاستثمار.

 

شراكة سعودية صهيونية ضد اليمن:

وانتقد قنديل ما التعاون السعودي الاحتلال الإسرائيلي، مستحضراً الجرائم الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا، وتزايد اللامبالاة تجاه هذه الجرائم في بعض وسائل الإعلام المحسوبة على السعودية.

وتوقف عند تقارير تحدثت عن اجتماع عُقد في ألمانيا برئاسة رئيس هيئة الأركان الأمريكية الجنرال كين، وبحضور رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، إلى جانب رؤساء أركان وأجهزة استخبارات من سبع دول عربية، بينها دول خليجية ومصر والأردن، لمناقشة التطورات المتعلقة باليمن.

وقال قنديل إن عدم صدور نفي من الدول التي وردت أسماؤها في التقرير يثير تساؤلات، متسائلاً عن سبب عدم عقد اجتماع مماثل لمناقشة ما يجري في غزة، وعن طبيعة وجود إسرائيل في اجتماعات تتعلق بالمنطقة.

واستعاد تصريحات منتحل صفة وزير الخارجية السابق في حكومة الفنادق خلال قمة شرم الشيخ عام 2015، التي قال فيها إن الحرب على اليمن ستؤدي إلى إنهاء خطر الصواريخ المخزنة في الحديدة على ميناء إيلات. وربط قنديل ذلك بالعمليات اليمنية اللاحقة خلال إسناد غزة، معتبراً أنها أعادت هذا الملف إلى الواجهة.

 

من الرهان العسكري إلى البحث عن تسوية سياسية:

وعلى وقع هذه المتغيرات، رأى قنديل أن المواجهة دخلت مرحلة لم تعد فيها السعودية قادرة على الرهان على تحقيق الأهداف التي بدأ العدوان من أجلها، معتبراً أن الضربات اليمنية المتواصلة على المنشآت الحيوية والتحشيدات العسكرية قلصت الخيارات المتاحة أمام الرياض.

واستشهد بتصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عقب اجتماعاته مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في السعودية، لافتاً إلى أن لافروف تحدث عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي في اليمن، وأبدى استعداد روسيا للمساهمة في البحث عن حلول للأزمة.

وقال إن الموقف الروسي السابق كان، في نظره، أكثر مراعاة للموقف السعودي، لكنه رأى في التصريحات الأخيرة مؤشراً على أن التطورات الميدانية دفعت نحو البحث عن مخرج سياسي.

كما أشار إلى استعانة السعودية بجهود دبلوماسية من روسيا وباكستان وتركيا ومصر، معتبراً أن هذا التحرك عكس انتقال الاهتمام من توفير دعم عسكري إضافي إلى البحث عن وساطة وحل سياسي.

واختتم قنديل حديثه بالقول إن اليمن استطاع فرض معادلاته عبر الصواريخ والطائرات المسيرة والضربات التي طالت أهدافاً حساسة في عمق السعودية، وإن استمرار المواجهة لم يعد يضمن للرياض تحقيق أهدافها، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو البحث عن تسوية تضع حداً للمأزق الذي أوجدته الحرب.

الأقسام: الاخبار,المراسل السياسي,اهم الاخبار