المراسل : متابعات
لم تقتصر الحرب التي شنها تحالف العدوان بقيادة السعودية على استهداف الإنسان اليمني وقتله وحصاره، حيث امتدت لتطال كل مقومات الحياة الاقتصادية، في محاولة لإخضاع اليمن عبر تدمير بنيته الإنتاجية وشل قدرته على النهوض، بعد أن أخفق العدوان في تحقيق أهدافه العسكرية على مدى سنوات الإجرام.
وخلال اثني عشر عاماً، تعرض الاقتصاد اليمني لعملية استهداف ممنهجة شملت الموانئ والمطارات والطرق والجسور ومحطات الكهرباء والمنشآت النفطية والمصانع، إضافة إلى فرض حصار خانق عطّل حركة التجارة ورفع تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والدواء ومستوى معيشة المواطنين.
وفي هذا السياق، يؤكد القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار سام البشيري، في مداخلة خاصة على قناة المسيرة، أن إجمالي خسائر الاقتصاد اليمني الناتجة عن العدوان والحصار تجاوزت تريليوناً و130 مليار دولار، موضحاً أن هذا الرقم لا يمثل مجرد خسائر مالية، وإنما يجسد اثني عشر عاماً من التدمير المنظم الذي أدى إلى تراجع الإنتاج، وتوقف المصانع، وتعطيل الموانئ، وإغلاق المطارات، وفقدان الوظائف، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات الأساسية.
ويوضح البشيري أن هذه الخسائر تنقسم إلى قسمين رئيسيين: الأول يبلغ 648 مليار دولار، ويمثل ما خسره الاقتصاد نتيجة توقف الإنتاج وعدم تحقيق النمو الذي كان يفترض أن يحققه، فيما يبلغ القسم الثاني 482 مليار دولار، ويعبر عن الخسائر المباشرة التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية والبنية الإنتاجية نفسها.
ويشير إلى أن حجم الدمار طال مختلف القطاعات الاقتصادية دون استثناء، موضحاً أن أكثر من ألف منشأة صناعية توقفت عن العمل نتيجة الاستهداف المباشر أو تبعات الحصار، الأمر الذي انعكس على الإنتاج وفرص العمل وسلاسل الإمداد في مختلف المحافظات.
وفي سياق متصل، يلفت البشيري إلى أن العدوان، وبعد فشله في تحقيق أهدافه العسكرية، انتقل إلى استهداف الجبهة الاقتصادية باعتبارها ساحة المعركة الجديدة، موضحاً أن استهداف البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية يؤكد أن الهدف لم يكن عسكرياً، وإنما إضعاف اليمن اقتصادياً ومنع أي فرصة للنهوض أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي.
ويذكّر بأن ما تعرض له اليمن من تدمير ممنهج طال مختلف القطاعات الاقتصادية والأنشطة الإنتاجية، مؤكداً أن ذلك يعكس حجم السياسات العدوانية التي انتهجها تحالف العدوان بحق الشعب اليمني.
ويضيف أن التجارة الخارجية تعرضت لضربة قاسية، حيث انخفض النشاط التجاري بنسبة 65%، فيما تجاوزت خسائر الواردات والصادرات 111 مليار دولار، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة 53% نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين والإجراءات التعسفية المفروضة على الواردات.
ويؤكد أن ما جرى لم يكن أزمة في قطاع اقتصادي واحد، وإنما تعطلاً متزامناً أصاب مختلف مفاصل الاقتصاد اليمني، بعد استهداف الموانئ والمطارات والجسور والطرق ومحطات الوقود ومنشآت النفط والمصانع وحتى المساكن.
ويشدد البشيري على أن استهداف هذه المرافق لم يكن أضراراً جانبية كما يروج له العدوان، وإنما سياسة مقصودة لضرب مقومات الاقتصاد اليمني، موضحاً أن تعطيل الميناء يعني تعطيل حركة الواردات والصادرات، واستهداف الكهرباء يؤدي إلى توقف المصانع، فيما يؤدي تدمير الطرق والجسور إلى شل حركة نقل البضائع والأفراد، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاج، مؤكداً أن “الاقتصاد في جوهره يعني الإنتاج”.
ويكشف أن الحصار تسبب في تعطيل غير مسبوق لحركة الاستيراد، موضحاً أن السفن كانت تصل إلى ميناء الحديدة خلال فترة تتراوح بين 10 و20 يوماً في الظروف الطبيعية، بينما أصبحت خلال سنوات الحصار تحتاج إلى ثلاثة أشهر، وفي بعض الحالات وصلت مدة التأخير إلى ستة أشهر، نتيجة إجراءات التفتيش والاحتجاز التي فرضها تحالف العدوان.
ويبيّن أن سفن البضائع كانت، حتى بعد مغادرتها جيبوتي باتجاه ميناء الحديدة، تتعرض للاحتجاز والتحويل إلى موانئ أخرى، الأمر الذي ضاعف معاناة التجار وأدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن.
ويلفت إلى أن تكلفة شحن الحاوية الواحدة ارتفعت من نحو ثلاثة آلاف دولار إلى ما بين 12 و15 ألف دولار، أي بزيادة بلغت نحو خمسة أضعاف، مؤكداً أن هذه الزيادة لا يتحملها التاجر وحده، وإنما تنعكس في نهاية المطاف على المواطن من خلال ارتفاع أسعار السلع الغذائية والدوائية ومختلف الاحتياجات الأساسية.
ويؤكد القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار سام البشيري أن الاقتصاد اليمني، ورغم حجم الاستهداف غير المسبوق، لم ينهَر كما كان يراهن عليه العدوان، بل تمكن من الصمود والاستمرار بفضل تماسك الجبهة الداخلية والعمل المشترك بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وينوّه إلى أن الحديث عن خسائر تجاوزت تريليوناً و130 مليار دولار قد يوحي للبعض بأن الاقتصاد اليمني توقف بالكامل، إلا أن الواقع مختلف، إذ تعرض لضربة قاسية لكنه ظل قائماً، مشيراً إلى أن عوامل الصمود تمثلت في التكاتف المجتمعي، والعمل بروح الفريق الواحد، وتوحد الجبهة الاقتصادية، والتحول نحو الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على الإنتاج المحلي، في إطار ما وصفها بقاعدة “يد تحمي ويد تبني”.
ويشدّد على أن توجيهات قائد الثورة والقيادة السياسية، إلى جانب تكامل أداء الوزارات والجهات ذات العلاقة، أسهمت في الحفاظ على الحد الأدنى من استمرار النشاط الاقتصادي رغم ظروف الحرب والحصار.
وحول المسؤولية عن هذه الخسائر، يشدد البشيري على أن العدوان السعودي يتحمل المسؤولية الكاملة عن كل ما لحق بالاقتصاد اليمني من دمار وخسائر، مؤكداً أن هذه المسؤولية لا تسقط بالتقادم.
كما يشدد على أنه لا يمكن فصل الوضع الاقتصادي عن الوضع الإنساني، لأن المواطن لا يعيش على المساعدات الإنسانية وحدها، وإنما يحتاج إلى اقتصاد يعمل، ووظيفة، ودخل، وسوق مستقرة.
ويتطرق إلى أن إطالة فترة وصول السفن إلى الموانئ اليمنية، وارتفاع تكاليف الشحن إلى خمسة أضعاف، انعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء والدواء، مؤكداً أن كل قيد اقتصادي يفرض على حركة التجارة أو النقل أو الوقود يتحول في النهاية إلى عبء إضافي يتحمله المواطن اليمني.
ويقول إن الاقتصاد والجانب الإنساني “وجهان لعملة واحدة”، مؤكداً أن استمرار الحصار هو السبب الرئيس في تعميق المعاناة الإنسانية التي يتحدث عنها المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، ينتقد البشيري مواقف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، معتبراً أنها تستخدم الملف الإنساني كشعار أو غطاء عندما يخدم أهدافها، بينما لا تتعامل مع معاناة الشعب اليمني باعتبارها أولوية حقيقية.
ويؤكد أن إعادة إعمار ما دمره العدوان لا تعني إعادة بناء الجسور أو الموانئ أو المباني فقط، وإنما تشمل إعادة تشغيل المصانع، وإعادة المستثمرين، واستعادة الثقة بالاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية.
ويرى أن هذه العملية تحتاج إلى استثمارات كبيرة وخطة استراتيجية مدروسة وسنوات من العمل، موضحاً أن تعافي الاقتصاد اليمني لن يتحقق بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل يتطلب فترة تمتد إلى ثلاث سنوات فأكثر لإعادة بناء ما دمره العدوان واستعادة النشاط الاقتصادي بصورة تدريجية.
وينوّه إلى أن اليمن، رغم اثني عشر عاماً من الحرب والحصار، استطاع الصمود بفضل قيادته وتكاتف شعبه، معرباً عن ثقته بأن الشعب اليمني سيستعيد حقوقه، وأن الاقتصاد الوطني سيتعافى ويعود إلى النهوض بعد انتهاء آثار العدوان واستيفاء التعويضات المستحقة عن كل ما تعرض له من تدمير واستهداف ممنهج.
ويختتم القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار، سام البشيري، مداخلته، بالتأكيد على أن اليمن ماضٍ في معادلة “الحصار بالحصار” حتى استعادة كامل حقوقه، مشدداً على أن اليمن ستتمكن، بفضل صمودها وقيادتها، من استعادة حقوقها كاملة، بما في ذلك التعويضات عن كل ما خلفه العدوان من أضرار اقتصادية وإنسانية.




