المراسل : متابعات
يتجه الردع اليمني ضد العدو السعودي إلى تثبيت معادلات متقدمة تجعل اليمن في موقع المتحكم بسير المعركة بحراً وبراً وجواً، والطرف الذي بيده قرار تحديد الساحة المحددة كميدان لتلقين المملكة المتهالكة المزيد من الدروس باهظة الثمن، دون أن يكون اليمن ساحة للعربدة السعودية.
ومع استمرار الردع بدءًا من الجو اليمني، مروراً بالبحر الذي بات ضيقاً على العدو، وصولاً إلى البر السعودي، تكشف القوات المسلحة في كل عملية أن لديها من الخيارات والمفاجآت ما يجعل النظام السعودي في زاوية ضيقة، لا تنفعه فيها مساحة المملكة الكبيرة، ولا مياهها البحرية الشاسعة، فيما الأجواء اليمنية باتت أضيق، وقد تحوّلت من فضاءٍ ظل مفتوحاً طيلة سنوات العدوان، إلى سماءٍ حمراء يرى فيها العدو الويل انطلاقاً من إسقاط طائراته، وصولاً إلى الرد على التحليق “الساقط” بضربات أشد وقعاً، تجعل من أي انتهاك سعودي عاملاً لتوسيع المعادلات، وتنويع الردع، وتوجيه أقسى الضربات رداً على أي تعدٍّ مهما كان حجمه.
هذه المؤشرات انكشفت خلال العمليات الماضية، وازدادت انكشافاً بعد العملية النوعية للقوات المسلحة اليمنية التي استهدفت مطار نجران ظُهر الثلاثاء، وأثبتت للجميع أن ظَهر السعودي بات مولّياً لجلده بسياط المسيّرات القادرة على اختراق كافة أشكال المنظومات الدفاعية الأمريكية والغربية، والوصول إلى الهدف بدقة عالية. وبين هذا التسلسل في الإجراءات، تكمن القدرات الاستخبارية اليمنية كعامل حاسم، يجعل اليمن قادراً على ضرب أي نقطة داخل المملكة، فيما هي لا تقدر حتى على توقع الهدف الذي سيُضرب.
وما بين الترقّب السعودي لتلقي الصفعات، وانتظاره لرؤية حرائق النفط أين ستشتعل، جاءت عملية نجران لتؤكد أن القوات المسلحة اليمنية تملك بنك أهدافٍ حساساً، يوسّع خسائر المملكة عسكرياً واستراتيجياً، فيما يتولى الردع البحري مهمة الإنهاك الاقتصادي، وبجانبه ضرب منشآت النفط التي هي في الأساس شريان السعودية الاقتصادي، والذي كان يمنحها ثقلاً سياسياً دولياً قبل التطورات التي طرأت مطلع الثلث الأخير من يوليو الماضي، ما يجعل المعادلات اليمنية ضربة قاصمة للرياض، يصل وجعها إلى واشنطن وعواصم دول الاستكبار.
وعطفاً على بيان القوات المسلحة الذي نشره ناطقها العميد يحيى سريع، والذي أشار إلى أنها “تمكنت بفضل الله من استهداف هدف حساس للعدو السعودي في مطار نجران وذلك بطائرة مسيرة وكانت الإصابة دقيقة”، فإن ثمّة مؤشرات جديدة ترسّخ القناعة لدى العدو بأن كُلفة المغامرة ستكون أكبر بكثير من جدواها المفقودة، حيث لفت العميد سريع إلى أن “هذا الاستهداف يأتي رداً على خرق العدو السعودي للأجواء في محافظتي صعدة وحجة بطيرانه المسير”.
وما بين هذه السطور، يقرأ العدو السعودي دلالات وأبعاداً تؤكد أن أي خرق لأجوائنا لن يمر دون رد وعقاب قاسٍ، ما جعله حتى اللحظة عاجزاً عن التصعيد أو المغامرة بانتهاك يستحق المقامرة، فمجرد التحليق في سماء اليمن خُفية وخِيفة يكون النظام السعودي قد جنى على نفسه عقاباً شديداً يقر هو بشرعيته، ويتوقع حدوثه، لكنه لا يعرف زمانه ومكانه، فهذه جوانب تحكمها القوات المسلحة اليمنية.
وبغض النظر عن الكلفة الاقتصادية للعملية الأخيرة، باعتبار أن العملية التي سبقتها في العمق السعودي بضرب نقاط نقل النفط في خط “شرق – غرب” – رداً على انتهاك أجواء صعدة بالطائرة التركية المتجهة للبوار – فإن استهداف مطار نجران يكبّد العدو السعودي ورعاته أثماناً مركبة، تبدأ من الاختراق الاستخباري، مروراً باختراق المنظومات الدفاعية، وصولاً إلى الوصول الدقيق للهدف، لتكتفي الرياض بالتفرج وواشنطن بالنواح.
من الزاوية العسكرية، تكشف العملية التطور المتسارع في قدرات القوات المسلحة اليمنية، الممتدة من إسقاط الطائرات واعتراض الهجمات، إلى استهداف البنية العسكرية التي تنطلق منها عمليات الاستطلاع والتجسس والاعتداء، لتخلق تحولاً مضاداً يحوّل الانتهاكات السعودية من الأجواء والأراضي اليمنية، إلى ضرب الأهداف المتنوعة والمكشوفة داخل المملكة.وفي الفاصل الزمني تكمن الخسائر الاقتصادية بالنسبة لمبيعات الأسلحة الدفاعية والهجومية التي كانت أمريكا والغرب تتباهى بها.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن أهمية العملية تتجاوز طبيعة الهدف المهم والحساس، إلى الكشف عن تطور نوعي في القدرات اليمنية على مستوى جمع المعلومات وتحديد الأهداف واختيار نقاط التأثير الأكثر حساسية، وهو ما يترجم انتقالاً متقدماً في مسار بناء منظومة الردع المتدرج، والذي يزن الأولويات وفقاً لنقاط القوة والضعف لدى العدو.
ووفقاً للمعطيات التحليلية، كشفت عمليات الاستطلاع الفضائي وتحليل المصادر المفتوحة عن اختراق يمني استخباراتي واسع للبنية العسكرية في مطار نجران، رغم تصنيفه كمطار ذي واجهة مدنية، حيث جرى تحديد مواقع حظائر الطائرات المسيرة السعودية، وفي مقدمتها طائرات “وينغ لونغ”، إضافة إلى مواقع انتشار منظومات الدفاع الجوي، وبطاريات باتريوت، ومنظومات الصواريخ أرض–جو، وبطاريات أورليكون سكاي جارد، إلى جانب المجمعات الإدارية واللوجستية المستخدمة في إدارة العمليات الجوية والاستطلاع.
إن الوصول إلى هذه المعلومات بحد ذاته يعتبر صفعة مدوّية للعدو السعودي، فضلاً عن الوصول المباشر بالمسيرات، فيما أحد شواهد قوة الردع اليمنية من خلال هذه العملية، هو امتلاك القوات المسلحة بنك أهداف دقيقاً، وقدرة متنامية على رسم خرائط المنشآت العسكرية ذات الاستخدام المزدوج – إلى جانب نقاط الوجع النفطي – بما يسمح بتوجيه الضربات نحو النقاط الأكثر تأثيراً.
كما تكشف العملية عن تطور واضح في تكتيكات الاختراق، حيث نجحت الطائرة المسيرة في الوصول إلى هدفها رغم وجود منظومة دفاعية أمريكية وغربية متعددة الطبقات، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لفعالية أنظمة الرصد والإنذار المبكر، ويشير إلى تفوق وسائل الردع اليمنية، لتزيد من إسقاط سُمعة الصناعات الأمريكية والأوروبية، وفي المقابل تتمدد الأوجاع إلى تلك العواصم على المستوى العسكري من حيث السمعة، وعلى المستوى الاقتصادي من حيث تأثير هذه العمليات على جعل الأسلحة الغربية بائرة، سيما وأن عديد الصفقات الدولية ألغيت خلال الفترات الماضية بسبب ما تعرضت له تلك الأسلحة على يد اليمن وقوى المحور بشكل عام.
وبالعودة إلى سياق التقرير، فإن الرد على خرق الأجواء في صعدة وحجة باستهداف هدف حساس في مطار نجران يرسّخ حقيقة التحول في قواعد الاشتباك، حيث إن الرد يقفز على إسقاط الطائرة المعتدية، إلى استهداف النقاط التي تنطلق منها عمليات الاستطلاع والتجسس، وسط هندسة يمنية لبنك الأهداف من شأنه رفع كلفة أي حماقة سعودية بحيث يكون الثمن مضاعفاً ولا يقتصر على الجانب العسكري، ولعل الرياض تدرك ذلك جيداً من خلال عمليات استهداف منشآت النفط ونقاط نقلها.
وفي هذا السياق، فإن معادلة “الرد الفوري” باتت أحد أهم معالم المرحلة الجديدة التي تخطها اليمن، فهي من جانب ترسّخ القناعة لدى العدو السعودي بأن ثمن أي انتهاك مهما كان صغيراً سيكون المقابل كُلفة كبيرة لا يقدر على تحملها، في حين أن مجرد جمود العدو السعودي دون أي انتهاك عسكري ضد اليمن، هو الآخر بدوره يضاعف النزيف الاقتصادي للعدو، فمعادلة البحر سارية المفعول تكبد المملكة يومياً خسائر اقتصادية واستراتيجية حتى من دون أن يكون هناك أي عملية بحرية، سيما وأن وتيرة العزوف الدولي عن التعامل مع الموانئ السعودية تتعاظم، وتترتب عليها أثماناً باهظة توردها التقارير الدولية المتخصصة.
وفي سياق العملية محل التقرير، تؤكد المعطيات أنها تحمل أيضاً أبعاداً استراتيجية تتجاوز بعدها التكتيكي، فهي من جهة ترسخ مبدأ المعاملة على قاعدة البادئ أظلم، وليس المعاملة بالمثل، ومن جهةٍ أخرى تنقل اليمن من موقع التصدي للاعتداءات إلى موقع المبادر في الردع والمتحكم بمسار وحجم المعركة ومراحلها.
وبهذه المعطيات تؤكد العملية النوعية التي استهدفت مطار نجران أن الردع اليمني قد تجاوز مرحلة الدفاع إلى فضاء المبادرة المطلقة والتحكم الكامل بمجرى ومجريات المعركة. ومع مواراة المنظومات الدفاعية الغربية لذاتها أمام دقة الضربات اليمنية وتصاعد النزيف الاقتصادي والاستراتيجي للمملكة، بات النظام السعودي محاصراً بين كلفة التصعيد الباهظة وتبعات الجمود المهين والمماطلة المُكلفة، فيما اليمن يتحرك بأريحية تامّة لإعلان سقوط قواعد الاشتباك القديمة وولادة مرحلة جديدة يُملي فيها شروطه وإملاءاته على البر والبحر والجو.




