السفير عبدالله صبري يستعرض للمسيرة دوافع ومآلات التحالفات السعودية الجديدة والحلول الوحيدة أمام الرياض

المراسل : متابعات

 

اعتبر وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية السفير عبدالله علي صبري أن لجوء السعودية المتكرر إلى تشكيل التحالفات العسكرية والأمنية يعكس خللاً بنيوياً في الدولة والنظام السعودي، اللذين قال إنهما نشآ أصلاً في ظل الحماية الخارجية، بدءاً من الحماية البريطانية ثم الأمريكية.

وخلال استضافته على قناة المسيرة ، أكد السفير صبري أن الرياض تواجه اليوم حالة انكشاف أمني حقيقية دفعتها إلى البحث عن تحالفات جديدة مع دول إقليمية، بينها تركيا وباكستان، في محاولة لملء الفراغ الذي نتج عن تراجع حقيقة الحماية الأمريكية.

وقال صبري إن السعودية اتبعت هذه السياسة في مختلف مراحل تاريخها، مشيراً إلى تشكيل مجلس التعاون الخليجي خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم التحالف الأمريكي السعودي الخليجي بعد غزو الكويت، إلى جانب تشكيل ما سمي بدرع الجزيرة، وصولاً إلى التحالفات التي قادتها الرياض في السنوات الأخيرة، ومنها التحالف الذي شن العدوان على اليمن عام 2015، والتحالف البحري الذي أعلن عنه قبل أيام، ثم التحالف الثلاثي مع تركيا وباكستان.

وأوضح أن السعودية، رغم امتلاكها الأموال والإمكانات الاقتصادية الضخمة، لم تبنِ جيشاً قادراً على حماية البلاد، ولم تبنِ علاقات جوار جيدة مع دول المنطقة، معتبراً أن المال السعودي كان يمكن أن يُستخدم لصناعة حالة من الوئام مع دول الجوار وإتاحة المجال للاستثمار والتنمية، بدلاً من الدخول في الحروب والتحالفات.

وشدّد صبري على أن كثرة التحالفات السعودية تكشف خللاً بنيوياً في الدولة والنظام السعودي، إلى جانب وجود هواجس كبيرة لدى النظام من المتغيرات الإقليمية المحيطة، مشيراً كذلك إلى وجود أزمة داخل أسرة الحكم لم تُحسم بعد، وقال إن محمد بن سلمان هو الحاكم الفعلي، لكنه ما يزال ولياً للعهد، مع وجود مشكلات داخل الأسرة الحاكمة.

وأضاف أن الأزمة البنيوية الأخرى تتمثل في أن السعودية، بما تملكه من ثروات، أصبحت محل أطماع الآخرين، وفي الوقت نفسه تتدخل في شؤون الدول الأخرى بالاستناد إلى الحماية الغربية، وبالذات الأمريكية.

وأشار صبري إلى أن المتغير الأهم في المرحلة الحالية هو ظهور السعودية في حالة انكشاف أمني حقيقي، مؤكداً أن هذا الانكشاف لم يقتصر على السعودية، وإنما طال دول الخليج التي تعطي الرياض موقع القيادة، بعدما وجدت هذه الدول أنها لا تستطيع الاحتماء بالسعودية، فيما وجدت السعودية نفسها غير قادرة على الاحتماء بالأمريكيين.

وتابع قائلاً: إن الرياض تحاول ملء هذا الفراغ الأمني عبر تحالف جديد موجه ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وموجه ضد اليمن، وكذلك بهدف استعادة الردع، مضيفاً أن الولايات المتحدة، إذا كانت قد خسرت استراتيجياً في المواجهة الأخيرة، فقد تركت دول المنطقة في حالة انكشاف أمام القوى الإقليمية.

ولفت إلى أن المعلومات الجديدة المتعلقة بالمخزون من الأسلحة الدفاعية للسعودية تشير إلى تراجع كبير، بالتزامن مع أزمة في الولايات المتحدة بشأن مخزون هذه الأسلحة، معتبراً أن ذلك يعني أن السعودية، في حال دخلت مواجهة طويلة المدى مع أي جهة، وبالذات مع اليمن، لن تسعفها قدراتها الدفاعية، كما لن يكون بمقدور الولايات المتحدة تعويض هذا النقص لأنها تعيش الأزمة نفسها.

ووصف صبري شراء الأسلحة الدفاعية من تركيا وباكستان بأنه جزء من محاولة الاحتماء بهاتين الدولتين تحت عناوين متعددة، وقال إن الترويج لوجود مشكلة دولية في البحر الأحمر لا يفسر وحده تشكيل التحالف الجديد، لأن التحالف البحري الذي أعلن عنه قبل أيام كان كافياً لو كانت القضية مرتبطة بالبحر الأحمر فقط، خصوصاً أن تركيا مشاركة فيه.

واعتبر أن الجديد هو تركيا، مشيراً إلى أن أنقرة تمكنت من جذبها إلى هذا التحالف تحت مسمى يتعلق بالبحر الأحمر، مذكراً بأن تركيا وصلت إلى الصومال والقرن الأفريقي ووقعت اتفاقات مع الجانب الصومالي، ولها مصالح في البحر الأحمر.

وجزم بأن ذلك كله يدل على ضعف تعيشه السعودية ومحاولة للهروب إلى الأمام، مشيراً إلى أن الرياض تقدم نفسها كدولة يمكن لمن يتحالف معها أن يحصل على المزيد من الأموال.

وفيما يتعلق بباكستان، قال صبري إن العلاقات الاستراتيجية التاريخية بينها وبين السعودية مبنية أيضاً على مصالح اقتصادية في مقابل الحماية، معتبراً أن العامل الجديد هو تركيا التي ربما تأتي لملء الفراغ الناشئ عن الانسحاب الأمريكي.

وربط صبري ذلك بمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية التي قال إنها تنص في أحد بنودها على خروج معين، بشكل ما، للقوات الأمريكية من المنطقة، معتبراً أن العلاقات الجيدة التركية الأمريكية ربما دفعت بالأتراك إلى القيام بدور يطمئن الرياض في حال حدوث فراغ وانسحاب أمريكي، باعتبار تركيا عضواً بارزاً في حلف الناتو. لكنه وصف هذه الحسابات بأنها خاطئة، مؤكداً أن الضمانة الحقيقية هي حسن الجوار، وتبني القضايا العربية والإسلامية بشكل حقيقي، وليس الالتفاف عليها.

ولفت صبري إلى أن النظام السعودي ظل تحت الحماية الأمريكية لأكثر من ستين عاماً، مشبهاً ذلك بالحماية الأمريكية للكيان الصهيوني، مؤكداً أن الكيان الإسرائيلي من دون الحماية الأمريكية لا يساوي شيئاً.

وتحدث عن تصريحات أشارت إلى أنه لولا السعودية لما وجد الكيان الصهيوني أو لما استقر في المنطقة، معتبراً أن المفارقة تتمثل في استمرار ارتباط الثلاثي السعودي والكيان الإسرائيلي والأمريكي، رغم نقاط الضعف التي ظهرت مؤخراً لدى الولايات المتحدة.

وأوضح أن التماهي في العلاقات السعودية الأمريكية امتد لأكثر من نصف قرن، وإن هذه العلاقات خدمت الكيان الصهيوني، مؤكداً أن هذا الكيان لن يجد في السعودية إلا دولة حليفة ومعينة له، إما من تحت الطاولة أو من فوق الطاولة.

وأضاف أنه قبل السابع من أكتوبر وطوفان الأقصى كان هناك دفع كبير لإعلان علاقة استراتيجية بين السعودية والكيان الإسرائيلي، وأن تطبيق ذلك كان قريباً، لكن المتغيرات التي حدثت أثرت في السعودية وفي الكيان الإسرائيلي، الذي يعيش هو الآخر حالة انكشاف.

وأشار إلى أن الكيان الصهيوني لا يريد توقف الحرب ولا يريد خروج الأمريكي منها وتركه وحيداً أمام المتغير الجديد الذي جاء به العدوان على إيران، معتبراً أن التطور الذي جعل الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنتصر عسكرياً واستراتيجياً أصبح الكل يتعامل مع تداعياته، مشدداً على أن حلفاء الولايات المتحدة وشركائها وأدواتها في المنطقة معنيون بإعادة النظر في التحالف مع الأمريكي.

وبيّن أن هناك تبايناً غير معلن بين الرياض وواشنطن، وتبايناً معلناً بين العدو الصهيوني وواشنطن، في ظل مشكلة تتمثل في أن الأمريكي لم يقدم الحماية الحقيقية والكافية لا للكيان الإسرائيلي ولا للسعودية، مشيراً في الوقت نفسه إلى اختلاف مستوى الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي بسبب وجود عقيدة ثابتة والصهيونية العالمية المتحكمة بالقرار الأمريكي.

ووصف تخلي الولايات المتحدة عن السعودية ودول الخليج بأنه كان واضحاً ومخزياً ومكشوفاً، وقال إن الأمريكي لم يتطرق حتى في تفاهماته مع إيران إلى أمن هذه الدول، وبالذات أمن السعودية.

وأضاف أن الولايات المتحدة لم تعد تقدم الحماية بالمجان، مشيراً إلى أنه في ذروة الأزمة، بدلاً من أن يقول الأمريكي للآخرين تفاهموا مع إيران مقابل رسوم رمزية، قال إنه مستعد لحماية التجارة العالمية مقابل 20% من قيمة النفط.

واعتبر صبري أن سياسة ترامب، رغم ثبات السياسة الأمريكية تجاه العلاقات الخارجية، أضافت البعد التجاري والصفقات واستنزاف أموال السعودية ودول الخليج، مشيراً إلى أن السعودية دفعت ما يقارب خمسة تريليونات، وأن هذه الأموال الكبيرة تبخرت من دون أن تجد الحماية الكافية في المواجهة الأخيرة.

الأقسام: الاخبار,المراسل العالمي,اهم الاخبار