الدكتور حجر: صنعاء واجهت الحصار والعدوان الشامل بـ30% فقط من الإيرادات التي كانت تحصل عام 2014

 

المراسل : متابعات

 

أكد وكيل وزارة المالية الدكتور أحمد حجر أن الاقتصاد اليمني واجه خلال سنوات العدوان والحصار انهياراً حاداً في مصادر الإيرادات والناتج المحلي والاستثمار والطلب الكلي، مشيراً إلى أن الموازنة العامة كانت تعتمد في عام 2014 بنسبة 45% على إيرادات النفط، و12% على المساعدات، ما يعني فقدان 57% من الإيرادات بصورة نهائية.

أوضح الدكتور حجر أن الإيرادات النفطية كانت تمثل نحو 45% من إيرادات الموازنة العامة عام 2014، إلى جانب 12% للمساعدات، بينما كانت الإيرادات المحصلة من رجال المال والأعمال الذين يستوردون عبر المناطق المحتلة تُستحوذ بدرجة كبيرة من قبل حكومة العملاء.

ونوّه إلى أنه مع دخول العدوان أصبح المرتزقة يستحوذون على ما يتجاوز 70% من الإيرادات، فيما بقي فقط للحكومة في صنعاء ما يساوي فقط 30% من الإيرادات المستحقة.

وأشار إلى أن نفقات الدولة في عام 2014 تجاوزت 2,600 مليار ريال، وأن محدودية الإيرادات بعد العدوان فرضت اعتماد الرشادة في تخصيص النفقات، بحيث توجه معظمها إلى الصمود الاقتصادي، وتحقيق الأمن، وتوفير الخدمات الأساسية، إلى جانب رفع كفاءة التحصيل وسد مكامن الفساد القائمة.

وقال إن إدارة الدولة خلال العدوان والحصار بهذه الموارد المحدودة التي تمثل فقط 30% من الإيرادات التي كان يتم تحصيلها قبل العدوان، شكلت شهادة على كفاءة تخصيص النفقات ورفع كفاءة التحصيل، موضحاً أن الدولة كانت تعيل نحو 32% من السكان، نتيجة اعتماد القوى العاملة في الجهاز الحكومي المدني والعسكري والأمني والمتقاعدين على الدولة، والتي كانت تتجاوز 35% من إجمالي القوى العاملة.

وأضاف أن خروج هذه النسبة من مصادر دخلها الأخرى انعكس على الأسر التي كانت تعتمد على تلك المرتبات، ودفعها إلى مستوى الفقرا، وهو ما انعكس بدوره على الطلب الكلي في الاقتصاد، إذ إن محدودية الطلب أضعفت قدرة المنتجين على توزيع منتجاتهم، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج.

 

انكماش الناتج وارتفاع الفقر والبطالة:

وبيّن حجر أن السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من العدوان شهدت انكماشاً اقتصادياً حاداً، وصل إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018، وهو العام الذي سجل أقل نسبة انخفاض، لم يتجاوز 47% من الناتج المحلي في عام 2014، بالتزامن مع زيادة سكانية بلغت نحو 12%.

وبيّن أن هذا التراجع أدى إلى زيادة أعداد الأسر الفقيرة، سواء نتيجة تضرر القطاع الخاص أو نتيجة تضرر القطاع الحكومي، فضلاً عن انكماش الطلب الكلي والناتج المحلي، وانخفاض قدرة الحكومة على توفير الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة وانكماش الإيرادات.

وتابع قائلاً: إن انكماش النشاط الاقتصادي أدى كذلك إلى تراجع الأوعية الإيرادية، نتيجة انخفاض الأرباح والأنشطة الاقتصادية، وبالتالي انخفاض الإيرادات العامة، مشيراً إلى أن التدهور بدأ يتوقف منذ عام 2019، مع بدء نمو محدود وتحريك الاقتصاد عبر بعض السياسات وتوفير فرص عمل جديدة.

وأكد أن هذه السياسات ركزت بصورة خاصة على القطاع الزراعي، وقطاع البناء والتشييد، والصناعات التحويلية، والأنشطة الصغيرة، الأمر الذي أسهم في تخفيف التراجع الذي كان قائماً خلال السنوات الأربع الأولى.

 

النفط والنقد الأجنبي واستهداف القدرة على تمويل الواردات:

وأشار حجر إلى أن عائدات النفط والغاز من الصادرات كانت المصدر الرئيسي لتمويل الواردات وتوفير النقد الأجنبي للاقتصاد القومي، موضحاً أن نحو 90% من عائدات النقد الأجنبي للبنك المركزي كانت تأتي من عائدات النفط، لكن تحالف العدوان ومرتزقته استحوذوا عليها.

وبيّن أن البنك المركزي كان يستخدم النقد الأجنبي للدفاع عن العملة، والوفاء بالتزامات الاقتصاد القومي مع الخارج، وخاصة الالتزامات الحكومية، إلى جانب تزويد السوق بالنقد الأجنبي عند محدوديته للحفاظ على استقرار سعر الصرف.

ولفت إلى أن الهدف الرئيسي من فقدان هذه الموارد تمثل في حرمان الاقتصاد القومي من ناتج محلي يتراوح بين 23 و24%، ومن 90% من عائدات البنك المركزي من النقد الأجنبي، ومن أكثر من 40 إلى 45% من موارد الاقتصاد القومي من النقد الأجنبي التي كانت تستخدم في تمويل الواردات.

وأوضح أن معظم السلع الأساسية كانت تعتمد على الخارج بنسبة تصل إلى 90%، فيما تجاوز اعتماد القطاع الصناعي على مدخلات الإنتاج الخارجية 70%، وتجاوزت النسبة في القطاع الزراعي 60 إلى 70%، ما جعل فقدان النقد الأجنبي ينعكس على القدرة على توفير السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، ويؤثر في الجهاز الحكومي والاستثمار والاقتصاد بصورة عامة.

وتطرق إلى أن التنسيق بين كبار مستوردي السلع الأساسية والبنك المركزي والصرافين أسهم في الحد من الارتفاع الكبير في أسعار الصرف ومعدلات التضخم، معتبراً أن عدم التعامل مع النقد الأجنبي غير الرسمي حال دون خروج كميات كبيرة من النقد الأجنبي من الاقتصاد، وما كان سيترتب على ذلك من ارتفاع أكبر في سعر الصرف والتضخم.

 

ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستثمار:

ونوّه الدكتور حجر إلى أن ارتفاع التضخم أدى إلى تراجع مستويات الدخول، خصوصاً في القطاع الخاص، في ظل محدودية الطلب وانخفاض مستويات الأرباح، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الاستثمار والإنتاج جعل النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة.

وضرب مثالاً على ذلك بقوله إن ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة 30%، مع رغبة المستثمر في تحقيق معدل أرباح لا يقل عن 10%، يعني حاجته إلى تحقيق فائض يصل إلى 40% على منتجاته، في ظل سوق لا يمتلك طلباً كافياً لاستيعاب هذه الزيادة.

وأشار إلى أن هذه الظروف أدت إلى انخفاض الاستثمار والطلب الكلي، كما أضافت تكاليف غير مشروعة إلى أسعار السلع، نتيجة ما وصفه بالابتزاز في موانئ دول العدوان، والقرصنة، والنقاط، وهو ما انعكس على ارتفاع الأسعار ومستوى معيشة السكان.

وبيّن أن تراجع الاستثمار دفع المجتمع إلى سحب جزء من مدخراته السابقة لتغطية الاستهلاك بدلاً من الاستثمار وتجديد الأصول، ما أسهم في استمرار التراجع الاقتصادي خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأولى.

 

الحصار ضاعف تكاليف الواردات:

وفي سياق متصل، أكد الدكتور حجر أن العدوان والحصار رفعا تكاليف التأمين والنقل على الواردات، بسبب اعتبار اليمن منطقة مخاطر، ما أدى إلى ارتفاع مبالغ التأمين التي تنعكس في النهاية على سعر السلعة.

ولفت إلى أن السفن المتجهة إلى الجمهورية اليمنية كانت تُحوّل إلى جيبوتي للتفتيش ثم إلى ميناء جدة، وأن عمليات التأخير التي كانت تستغرق ربما أشهراً كانت تفرض على المستورد مبالغ كبيرة نتيجة عدم تفريغ السفن في موعدها، لتضاف هذه التكاليف إلى أسعار السلع.

وأضاف أن بعض السلع كانت تتعرض للتلف أو التغير خلال فترات الانتظار، ما يعني فقدان جزء من رأس المال، وانعكاس خسارته على أسعار السلع المتبقية، فضلاً عن فرض إتاوات غير شرعية على السفن والطرق والموانئ.

وبيّن أن تكاليف الواردات ربما ارتفعت بنسبة تتراوح بين 200 و300% مقارنة بأسعارها في الظروف التي لا يوجد فيها عدوان، موضحاً أن هذه الزيادة الكبيرة في التكاليف جاءت في ظل عدم قدرة المجتمع على زيادة دخوله، ومحدودية الطلب المحلي، وعدم قدرة المنتج على توزيع منتجاته بأسعار مرتفعة تعوض ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما انعكس على المستهلك ومستوى المعيشة.

وشدّد على أن جزءاً كبيراً من رأس المال خرج من اليمن، وأن هناك تقديرات تتجاوز 30 مليار دولار لرؤوس الأموال التي غادرت البلاد، مؤكداً أن خروج رؤوس الأموال وإغلاق عدد كبير من المشاريع وانخفاض الأرباح أدى إلى تراجع الأوعية الإيرادية.

ونوّه إلى أن وزارة المالية بذلت جهداً كبيراً للحصول على موارد للموازنة العامة في ظل القوانين القائمة، من دون رفع الأعباء في ظل الظروف القائمة، معتبراً أن الصمود كان اقتصادياً وإدارياً وعسكرياً وأمنياً وفي مختلف المجالات.

 

أولوية الصمود وتوفير الخدمات:

وأكد حجر أن محدودية الإيرادات جاءت في وقت كان فيه الطلب مرتفعاً على السلع والخدمات، سواء لتغطية متطلبات الصمود والتصدي للعدوان أو لتحقيق الأمن، وهو ما استحوذ على الجزء الأكبر من إيرادات الدولة.

وقال إن الأولوية كانت للصمود في وجه العدوان، باعتبار أن سقوط اليمن في يد العدوان كان سينهي كل شيء، ثم تحقيق الأمن، ومنع تشتت اليمن، وتوفير الخدمات الأساسية، ومنها الصحة والبيئة والخدمات الأخرى، فيما كان ما يتبقى من الإيرادات يوزع بقدر الإمكان على شكل مرتبات.

وأوضح أن الدولة اتخذت قراراً يقوم على فك الحصار ومواجهة الحصار بالحصار، بهدف توفير الحد الأدنى من الإنعاش للموظفين والحد الأدنى من الخدمات في ظل الأوضاع القائمة.

وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار سيبقى أثره لفترة معينة، وأن إعادة تأهيل الاقتصاد واستعادة قدرته الإنتاجية إلى المستويات السابقة تحتاج إلى عدة سنوات، لأن البنية التحتية والخدمات الأساسية والمشاريع الإنتاجية تعرضت للضرر، وبالتالي فإن إعادة الإنتاج لن تتحقق في سنة أو سنتين أو أربع سنوات، وربما تحتاج إلى خمس سنوات.

وأكد أن هذا الواقع يفرض استمرار الرشاد في إدارة الموارد، مشيراً إلى أن اللجوء إلى معادلة الحصار بالحصار جاء بهدف التفريج وعدم إيصال المجتمع إلى المرحلة التي تستهدفها دول العدوان.

 

التعليم والصحة وتأثيرهما على مستقبل الاقتصاد:

ولفت حجر إلى أن آثار العدوان لا تقتصر على الوضع الاقتصادي الحالي، وإنما تمتد إلى المدى البعيد، مشيراً إلى أن أكثر من مليونين ونصف المليون من السكان في سن التعليم الأساسي خارج التعليم، وهو ما سينعكس مستقبلاً على معدلات الأمية، وعدم وجود عمالة جيدة، ومستوى الوعي في المجتمع.

وأوضح أن غياب التعليم الجيد يعني غياب القوى العاملة الجيدة، وأن ارتفاع الأمية يعني ضعف المشاركة المجتمعية الواعية، وانخفاض إنتاجية الفرد غير المؤهل، وعدم قدرة سوق العمل على تلبية احتياجات رجال الأعمال من القوى العاملة، بما قد يؤدي إلى الاعتماد على عمالة خارجية أو تحمل تكاليف التدريب والتأهيل لسنوات.

وأشار إلى أن هذه التداعيات ستنعكس على مستوى المعيشة والإعالة الاقتصادية والإنتاجية، التي وصفها بأنها محور التنمية، موضحاً أن رفع معدل النمو يرتبط بدرجة كبيرة برفع إنتاجية العامل، وكفاءة استخدام رأس المال، واستقرار المجتمع، وكفاءة تعامل المجتمع مع السياسات وقرارات الدولة والانتماء الوطني وعدم التأثر بالعالم الخارجي.

وقال إن استهداف عنصر العمل الكفء والمؤهل والمدرب يؤدي إلى تأخير عملية التنمية، باعتبار أن هذا العنصر يمثل مظهراً رئيسياً من مظاهر التنمية.

وفي ختام مداخلته، تطرق وكيل وزارة المالية الدكتور أحمد حجر إلى الجانب الصحي، موضحاً أن انتشار الأمراض والأوبئة يؤدي إلى انخفاض فترة العمل وزيادة أيام المرض وتكاليف العلاج، وكلها أعباء على الاقتصاد، خصوصاً مع الاعتماد على استيراد معظم الأدوية، إلى جانب ما وصفه بعدم كفاءة التشخيص في بعض الجوانب الصحية، جازماً بأن هذه العوامل تنعكس على الإنتاجية وفترة العمل وإنتاجية العامل وفترات المرض وتكاليف العلاج، وبالتالي تؤثر في التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.

الأقسام: الاخبار,المراسل العام,اهم الاخبار