المراسل : متابعات
منذ مساء الإثنين وحتى صباح اليوم الثلاثاء، عاشت السعودية واحدة من أصعب لياليها بعد أن تحولت حالة الاستنفار والقلق إلى وضع دائم وضاغط انطلاقاً من نجران وعسير وجيزان وأبها، وصولاً إلى جدة وينبع والعُلا، وذلك على وقع تصاعد الردع اليمني.
وبين ساعات المساء والفجر، توالت التحذيرات والإنذارات في عدد من المدن السعودية، بينها إطلاق إنذار في نجران للمرة الثانية، بالتزامن مع إنذارات في خميس مشيط وأبها وينبع وجدة، ثم إنذار شمل جيزان ومحافظة العُلا، في مؤشرات لعملية نوعية وواسعة تطال العمق السعودي.
وبغض النظر عن طبيعة الخطر الذي كانت تلك الإنذارات تحذر منه، فإن تتابعها واتساع نطاقها يقدمان صورة واضحة عن مستوى القلق الذي بات يخيّم على المشهد الأمني السعودي في ظل زخم العمليات اليمنية التي تطال العدو السعودي، وتضرب عصبه العسكري والاقتصادي.
البداية كانت من نجران، حيث أعلن الإعلام السعودي تفعيل الإنذارات من الخطر، قبل أن يتم تجديد الاستنفار للمرة الثانية، ثم امتدت حالة الذعر إلى خميس مشيط وأبها، وهما منطقتان ترتبطان بثقل عسكري وأمني، قبل أن تصل إلى ينبع وجدة والعُلا، بما تحمله هذه المناطق الثلاث من أهمية اقتصادية وسياحية وملاحية.
وأمام توسع رقعة الذعر والرعب داخل المملكة، فإن اتساع نطاق الإنذارات ينسجم مع التحول الذي أحدثه تصاعد الردع اليمني، حيث تتجاوز عمليات الردع المواقع القريبة من الحدود إلى توسيع دائرة الضغط لتشمل منشآت ومناطق ذات قيمة عسكرية واقتصادية واستراتيجية في أقصى شمال الشرق وغرب المملكة.
وبهذه المؤشرات، يربط مراقبون الإنذارات المتكررة والمتوسعة جغرافياً داخل السعودية، بمعادلة الردع اليمنية الجديدة التي تجعل الرياض مضطرة إلى إبقاء مدنها في حالة تأهب، ومواطنيها أمام رسائل الذعر، وقواتها في حالة استنفار مستمر وبلا جدوى.
وبتقريب الصورة قليلاً، تحمل الإنذارات في خميس مشيط وأبها دلالة خاصة، بالنظر إلى ارتباط المنطقتين بالقطاعات العسكرية والجوية والاقتصادية السعودية، حيث ركزت القوات المسلحة اليمنية خلال اليومين الماضيين على ضرب الأهداف التي يتخذها العدو السعودي كمنطلقات لشن الاعتداءات على اليمن، ومنها قاعدة الملك خالد الجوية، بينما ترتبط أبها بمنشآت ومرافق حيوية وموقع جغرافي مهم في جنوب المملكة، وذلك في ظل ما تتعرض له أنابيب نقل النفط ومنشآت أرامكو لضربات متتالية عطلت نصف الإنتاج السعودي النفطي اليومي تقريباً وفق تقارير دولية.
أما تكرار الإنذارات في نجران، ووصولها إلى جيزان ثم محافظتي العُلا وجدة، فيرى مراقبون أن ذلك يشير إلى أن عموم المناطق الحيوية والاستراتيجية والاقتصادية السعودية باتت تحت طائلة الردع اليمني، وإلى أن المملكة باتت تحت ضغط عسكري متواصل يفرضه تصاعد قدرات اليمن، لافتين إلى أن الإنذار في ينبع يمثل مضاعفةً للوجع السعودي، فالمدينة ترتبط بموانئ ومنشآت صناعية ونفطية حيوية على ساحل البحر الأحمر.
ويوضح الخبراء والمراقبون أن خطورة هذا النوع من الاستنفار الواسع تكمن في أنه يفرض أثراً ممتداً على الحياة اليومية، وحركة السكان، والمطارات، والمنشآت، والأنشطة الاقتصادية، ويُبقي المؤسسات الأمنية والأخرى المعنية أمام ضرورة الاستعداد الدائم، مما يربك دورة المنظومة الحيوية والاقتصادية السعودية، منوّهين إلى الكلفة الباهظة للاستنفار الأمني والعسكري، والاضطرابات في حركة السكان والمطارات والمنشآت، وما تتعرض له الملاحة السعودية والارتفاعات المتواصلة في كلفة التأمين والشحن وتوقف الصادرات، بالإضافة إلى ما تمثله هذه الاضطرابات جميعها من ضغط على قطاعي الاستثمار والسياحة السعوديين، فضلاً عن تصاعد حالة الذعر في صفوف القاطنين داخل المملكة –رغم علمهم بتجنب القوات المسلحة لكل الأهداف ذات الطابع المدني السكاني– بما يرسّخ حقيقة عجز القيادة السعودية عن التعامل مع الردع اليمني رغم فارق الإمكانيات الاقتصادية.
وفي سياق متصل، تتضاعف حالة القلق السعودية مع ما تكشفه التطورات السياسية عن صعوبة الحصول على تدخل عسكري أمريكي مباشر، فقد أفادت تقارير بأن ولي العهد السعودي طلب تدخلاً أمريكياً مباشراً لمضاعفة العدوان على اليمن، بينما اكتفت واشنطن بإعلان تقديم أشكال من الدعم الاستخباري والمساندة اللوجستية والاستشارية، تجنباً لتكرار الاصطدام المباشر مع القوات المسلحة اليمنية، بعد تجربة “عامي الإسناد” التي كبدت العدو الأمريكي خسائر عسكرية واقتصادية وفوقها خسائر استراتيجية بددت الهيبة الأمريكية التي كانت مخيمة على العالم قبل أن يُسقطها الردع اليمني.
هذا بالإضافة إلى التحركات السعودية الواسعة في الأبواب الدولية، باتجاه مصر وتركيا وباكستان وقوى غربية، لتتضح المفارقة التي تكشف كيف أن السعودية التي أنفقت طوال سنوات مبالغ ضخمة على التسليح والمنظومات الدفاعية، تجد نفسها أمام إنذارات متكررة في مدنها، وعجز متصاعد عن التصدي للطائرات والصواريخ اليمنية، وتحتاج في الوقت ذاته إلى مظلة خارجية لا تبدو مستعدة لخوض مواجهة مباشرة ذات كلفة باهظة أثبتتها تجارب المتورطين سابقاً في المستنقع اليمني.
وبهذه المعطيات، يتأكد للجميع أن هذه التحولات المتسارعة من تتابع الإنذارات والاستنفار المتواصل إلى ضيق الخيارات السعودية، هي النتيجة المباشرة لتصاعد قدرات الردع اليمني وفرض قواعد اشتباك جديدة؛ قواعد أنهت زمن العربدة دون عقاب قاسٍ أو كُلفة كبيرة، ليضطر النظام السعودي إلى لعب دور المتفرج المرعوب والمترقب لخيارات يمنية مفتوحة وتصاعدية، ما يجعل الخيار الوحيد أمامه هو الانصياع للإرادة اليمنية وما يترتب عليها من حقوق مشروعة وعادلة.




