المراسل : متابعات
تناول وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية السفير عبدالله علي صبري طبيعة العلاقة السعودية الصهيونية، مستعرضاً مسارها منذ مشاريع التطبيع، وصولاً إلى مؤشرات التنسيق الأمني والعسكري الراهنة، كما تطرق إلى دلالات رسالة قائد الثورة إلى الشهيد يحيى السنوار، ودور اليمن في إسناد غزة، معتبراً أن التحرر من الوصاية الأمريكية والسعودية كان عاملاً أساسياً في اتخاذ الموقف اليمني.
وخلال استضافته على قناة المسيرة،قال السفير عبدالله صبري إن العلاقة بين النظام السعودي والكيان الإسرائيلي لم تكن جديدة، لكنها ظلت مستترة إلى حد كبير، قبل أن تظهر بصورة أكثر وضوحاً مع تعثر الولايات المتحدة وكيان العدو في عدد من الملفات الإقليمية.
علاقة تخادم لا علاقة مصالح:
وأوضح أن العلاقة تجاوزت تقاطع المصالح إلى “التخادم” مع المشروع الأمريكي الصهيوني، مؤكداً أن المصالح التي تربط النظام السعودي بالكيان الإسرائيلي تتعارض مع مصالح الأمة العربية والإسلامية والقضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن كل طرف في المنظومة الإقليمية يمتلك آلياته الخاصة للتحرك، لكن النظام السعودي بات يظهر بصورة أكثر علنية في هذا المسار، نتيجة إخفاق الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما، وما ترتب على ذلك من حاجة إلى إظهار أوراق كانت تُدار سابقاً بعيداً عن العلن، مضيفاً أن النظام السعودي راهن على أوراق قوة كان يمكن توظيفها لمصلحة الشعب السعودي، لكنه اختار مساراً قاده إلى المأزق الراهن.
واستعاد السفير صبري مواقف النظام السعودي منذ معركة طوفان الأقصى، وقال إن الرياض اتخذت موقفاً متواطئاً ضد غزة ومقاومتها، ثم اصطفّت إلى جانب الكيان الإسرائيلي في مواجهة العمليات اليمنية.
وأضاف أن السعودية أدت دوراً في تقديم الإحداثيات ضمن ملف التجسس، إلى جانب توفير دعم اقتصادي مباشر وغير مباشر للكيان الإسرائيلي، ومن ذلك الجسر البري الذي قال إنه أسهم في تخفيف آثار الحصار اليمني على الكيان، بعد وصول الأوضاع في الأراضي المحتلة إلى إغلاق ميناء أم الرشراش “إيلات”.
ونوّهإلى أن هذا الدور لم يقتصر على المواقف السياسية، بل شمل مسارات عملية ساعدت إسرائيل على مواجهة تداعيات العمليات اليمنية في البحر الأحمر.
وربط صبري هذا التقارب بمسار سياسي بدأ يتضح خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما أعلن ما سُمّي بـ”صفقة القرن”، التي استهدفت تصفية القضية الفلسطينية.
ولفت إلى طرح مشروع لإقامة تحالف يضم الولايات المتحدة وكيان العدو الصهيوني والدول الخليجية ومصر والأردن، تحت إدارة أمريكية، ثم الانتقال إلى اتفاقات أبراهام عام 2020، التي شملت الإمارات والبحرين والمغرب، إلى جانب خطوات تطبيعية مرتبطة بالسودان.
كما لفت إلى اجتماعات عُقدت في النقب داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، تحت إشراف الكيان الإسرائيلي، ثم اجتماعات أخرى في البحرين، في إطار مسار التطبيع والتنسيق الإقليمي.
وبيّن أن واشنطن عملت على دفع مسار تطبيع العلاقات بين النظام السعودي والكيان الإسرائيلي، لكن معركة طوفان الأقصى وضعت عائقاً أمام هذه الخطوة، دون أن يتراجع النظام السعودي عن الحديث عن إمكانية إقامة علاقات طبيعية مع الكيان في حال التوصل إلى حل الدولتين.
ورأى أن التطورات الراهنة أظهرت حاجة سعودية متزايدة إلى الدعم الإسرائيلي، في ظل تردد الولايات المتحدة في الانخراط المباشر في العدوان على اليمن، وانتظار نتائج انتخابات الكونغرس الأمريكي في نوفمبر المقبل.
توظيف أمريكي للسعودية في مواجهة اليمن وإيران:
وفي سياق متصل،قال صبري إن الولايات المتحدة تنظر إلى المواجهة السعودية اليمنية باعتبارها جزءاً من المواجهة الأوسع مع محور الجهاد والمقاومة وعلى رأسه إيران، مشيراً إلى أن الحسابات الأمريكية تختلف عن حسابات الكيان الإسرائيلي، الذي يريد خوض مواجهة مع إيران لكنه لا يرغب في خوضها منفرداً ومن دون دعم أمريكي مباشر.
وأضاف أن واشنطن قد تسعى إلى دفع السعودية والكيان الصهيوني إلى الانخراط في المواجهة ضد اليمن، وربما في حرب مع إيران، بينما تراقب الولايات المتحدة نتائج تحرك حليفَيها الأساسيين في المنطقة.
واعتبر أن أي تطور جديد في العلاقات السعودية الإسرائيلية لن يكون مفاجئاً في ضوء مسار التنسيق القائم، لكنه وصف إعلان التعاون في العدوان على اليمن بأنه خطوة تمثل ضربة إضافية لمكانة النظام السعودي.
وهنااستشهد صبري باجتماع عُقد بصورة سرية في برلين خلال الشهر الماضي، وضم قائد القيادة المركزية الأمريكية كوبر ووزراء دفاع دول خليجية، من بينها السعودية، إلى جانب وزيري دفاع مصر والأردن ووزير دفاع الكيان الإسرائيلي.
وأوضح أن مشاركة وزير الدفاع السعودي في اجتماع من هذا النوع كانت مؤشراً عملياً مهماً على مستوى التنسيق، رغم أن الملفات المطروحة شملت إيران واليمن بصورة أساسية.
كما أشار إلى زيارة المجرم نتنياهو الأخيرة إلى أبوظبي، قائلاً إنها شهدت اجتماعاً سرياً مع ممثلين عن عدد من الدول العربية، بينهم ممثل عن السعودية، معتبراً أن ذلك يعكس تقدماً في مستوى التعاون والخطط المشتركة بين النظام السعودي والكيان الإسرائيلي في إطار العدوان على اليمن.
وأكد أن هذه التحالفات لا تنفصل عن القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن الدول المشاركة فيها تنتمي إلى منظومة تراهن على الحلول السياسية التي تنتهي إلى تقديم تنازلات للكيان الإسرائيلي.
تقارب على حساب فلسطين.. اليمن يبقى حائط الصد:
وشدد صبري على أن التقارب السعودي مع الكيان الإسرائيلي ينعكس سلباً على القضية الفلسطينية ويقف ضد المقاومة ومحور المقاومة عموماً.
واستحضر مواقف الأنظمة العربية والإسلامية خلال حرب الإبادة على غزة، قائلاً إن غالبية هذه الأنظمة أدارت ظهرها لمعاناة الفلسطينيين، بينما استمر قتل المدنيين وتجويعهم.
وفي المقابل، أشار إلى رسالة قائد الثورة إلى الشهيد يحيى السنوار، معتبراً أنها أبرزت دور المقاومة الفلسطينية ومعركة طوفان الأقصى في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي، وكذلك دور اليمن في إسناد غزة.
وقال إن اليمن لم يقتصر على التأييد السياسي والإعلامي، بل شارك في المواجهة وقدم تضحيات، واستمر في موقفه رغم الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة.
وأشار صبري إلى أن اليمن واجه الولايات المتحدة في مواجهة بحرية واسعة في البحر الأحمر، وقال إن الأساطيل الأمريكية اضطرت إلى الانسحاب، وإن ترامب أعلن وقف إطلاق النار مع اليمن.
واعتبر أن هذه المواجهة أبرزت مفارقة تتمثل في اصطفاف أنظمة عربية وإسلامية إلى جانب مسارات التطبيع والتنسيق مع كيان العدو، مقابل انخراط اليمن في عمليات إسناد غزة ومواجهة الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة.
وربط صبري الموقف اليمني باعتبارات دينية وأخلاقية وإنسانية، لكنه أكد أن العامل الحاسم تمثل أيضاً في تحرر اليمن من الوصاية الأمريكية والسعودية، معتبراً أن هذه هي “كلمة السر” التي سمحت باتخاذ موقف لم تستطع أنظمة أخرى اتخاذه، رغم امتلاكها اعتبارات دينية وإنسانية مشابهة.
وأوضح صبري أن اليمن دفع ثمناً سياسياً واقتصادياً جراء مشاركته في معركة إسناد غزة، مشيراً إلى أن هذه المشاركة أخّرت التوصل إلى اتفاق سياسي كان يجري بحثه ضمن ما عُرف بخارطة الطريق.
وأضاف أن اليمن استمر في المواجهة رغم الوساطات والإغراءات، ودخل في اشتباك مباشر مع الولايات المتحدة، إلى جانب مواجهته للكيان الإسرائيلي.
واختتم السفير صبري حديثه بالتأكيد علىأن هذه المواجهة أسهمت في تعزيز الموقف اليمني في مواجهة العدو السعودي، مشدّداً على أن إسناد غزة كان أحد العوامل التي أسهمت في تراكم القدرات اليمنية وتغيير معادلات المواجهة في المنطقة.




