المراسل : متابعات
أظهرت معادلات الردع اليمنية، وفق ما عرضه الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد مجيب شمسان عبر الخريطة التفاعلية، انتقال القوات المسلحة اليمنية من مواجهة التحشيدات العسكرية إلى استهداف مراكز الثقل الحيوية والعسكرية داخل العمق السعودي، رداً على التصعيد والجرائم التي طالت المدنيين والأعيان المدنية.
ووفق العميد شمسان، أفضت الضربات، التي شملت المطارات والمنشآت النفطية ومحطات الضخ والقواعد العسكرية وتجمعات القوات، إلى تعطيل صادرات النفط وفرض قيود على حركة الطيران، بالتوازي مع تفكيك التحشيدات التي أُعدت لفتح جبهات متزامنة ضد اليمن.
وفي المقابل، لم تتوقف العمليات اليمنية عند الرد على المنشآت السعودية، بل امتدت إلى استهداف التحشيدات العسكرية في نجران وجيزان والجوف ومأرب، بما في ذلك معسكرات الحرس الوطني ومواقع القيادة والسيطرة والتجمعات البشرية.
وأبرزت هذه العمليات، كما شرح شمسان، تطور التنسيق بين الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المُسيَّرة، والقدرة على تنفيذ ضربات متزامنة ضد أهداف متعددة، فضلاً عن تطور طائرات “رجوم” وزيادة مداها وحمولتها ودقتها.
وأكد شمسان أن معادلة “الحصار بالحصار” و”التصعيد بالتصعيد” لم تكن مجرد ردود منفصلة، بل ارتبطت بهدف كسر الحصار وانتزاع السيادة وإجبار السعودية على دفع التعويضات، مشيراً إلى أن القوات المسلحة اليمنية لم تستخدم بعد جميع قدراتها الصاروخية، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً إلى أهداف أكثر حساسية وتأثيراً، مع زيادة القوة النارية وكثافة العمليات وتقاربها زمنياً.
وفي حديثه عن استهداف المدنيين والأسواق، قال شمسان إن السعودية لجأت إلى هذه الجرائم بعد فشلها العسكري المتراكم، وإن الضربات اليمنية أفشلت ورقة التحشيد الهادفة إلى جعل المعركة يمنية يمنية، وفككت التجمعات العسكرية وأحدثت شللاً عملياتياً وطردت قوات من مساحات واسعة، وأسقطت عدداً من القيادات، لا سيما القيادات السعودية.
وأضاف أن القوات المسلحة اليمنية فرضت في المقابل معادلة “الحصار بالحصار”، بعدما توقفت صادرات النفط السعودية، واستُهدفت ناقلات ومنشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو، ووصل التعطيل إلى مستوى غير مسبوق في صادرات النفط، خصوصاً عبر البحر الأحمر. كما امتدت الضربات إلى المنشآت الحيوية، بالتوازي مع فرض معادلة الحظر الجوي على المطارات السعودية.
وشملت العمليات مطارات الرياض والدمام ومطارات في جنوب المملكة، إضافة إلى مطاري جدة وينبع، وهو ما عكس، بحسب شمسان، سقوط الخيارات التي راهنت عليها الرياض، وفشلها في حماية منشآتها السيادية والاقتصادية والعسكرية.
ورأى أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية كشف الطبيعة الإجرامية للعدوان وأسقط الادعاءات المتعلقة بالسلام، وأظهر إصرار السعودية على قتل اليمنيين وحصارهم وإبقائهم تحت الوصاية، مؤكداً أن التضحيات التي قدمها الشعب اليمني والانتصارات التي حققَتْها القوات المسلحة حالت دون العودة إلى واقع الوصاية السابق.
وتوقف شمسان عند الجريمتين المستجدتين، إحداهما استهداف سوق الحضارة في محافظة تعز، والأخرى المجزرة التي ارتكبها الطيران السعودي في مديرية بني حشيش، معتبراً أن استهداف المدنيين جاء بعد فشل التحشيدات العسكرية والعمليات الميدانية.
وفي استعراضه للعمليات اليمنية، أوضح شمسان أن القوات المسلحة نفذت ست عمليات، لم تكن منفصلة عن بعضها، وبدأت بضربات باتجاه مطار الرياض، باستخدام أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المُسيَّرة.
وأشار إلى أن أهمية هذه العمليات لم تقتصر على تعدد الأهداف، بل شملت مستوى التنسيق بين وسائط هجومية مختلفة في السرعة والارتفاع والقدرة، بما تطلب ضبط توقيت وصولها إلى الأهداف، وقراءة المنظومات الدفاعية، وتنفيذ عمليات الإشغال والتشتيت بالتوازي مع التركيز على إصابة الأهداف وتحقيق النتائج المطلوبة.
وأكد أن هذا التنسيق عكس مستوى متقدماً من الاقتدار والاحترافية في تنفيذ عمليات مركبة، تجمع بين الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المُسيَّرة بأعداد كبيرة، لافتاً إلى أن الاستمرارية شكلت عنصراً أساسياً في هذه العمليات، بعدما سبقتها ضربات مماثلة طالت أهدافاً متعددة من شمال المملكة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.
وأوضح أن مطار الرياض مثّل هدفاً ذا أهمية سيادية للسعودية، باعتباره بوابة رئيسية تقدم من خلالها نفسها أمام العالم، وأن العجز عن حمايته، إلى جانب مطارات الدمام وأبها وجيزان ونجران وينبع وجدة، كشف هشاشة منظومة الحماية السعودية، مضيفاً أن فرض الحظر على هذه المطارات لم يقتصر تأثيره على الداخل السعودي، بل امتد إلى الإقليم والعالم، وأثار مخاطر تتعلق بالاستقرار والاستثمار، بما انعكس سلباً على البيئة التي راهنت عليها رؤية 2030.
وفي الضربة الثانية، تحدث شمسان عن استهداف منشأة خريص التابعة لأرامكو، التي وصفها بأنها من أكبر الحقول النفطية في العالم، وتضم منشآت تكرير وخزانات ترتبط بمناطق التوزيع الأخرى، وفي مقدمتها خط شرق غرب الذي يمثل منفذاً أساسياً للسعودية نحو البحر الأحمر.
كما أشار إلى استهداف محطة الضخ رقم ثمانية في الدوادمي، شمال غرب الرياض، موضحاً أن القوات المسلحة اليمنية سبق أن استهدفت ثلاث محطات أخرى للضخ، وأن هذه المحطات لا يمكن تعويضها بصورة فورية، نظراً إلى حاجتها لتصميم وتجهيزات مسبقة وفترات طويلة لإعادة إنشائها.
وبيّن أن تعطيل ضخ إمدادات الطاقة عبر أنبوب شرق غرب وصولاً إلى ينبع، ومنها إلى محطات التحميل في البحر الأحمر، أصاب أحد أهم الشرايين التي تعتمد عليها السعودية في تصدير النفط وتمويل عملياتها.
وأضاف أن الضربات لم تقتصر على المنشآت التصديرية، بل شملت خزانات أرامكو في مصفاة الرياض ومحطة التقطير، بما نقل التأثير إلى الداخل السعودي، وفتح المجال أمام حدوث أزمة في إمدادات الطاقة والغاز، مع الإشارة إلى محطات التحلية والكهرباء ضمن الأهداف الحيوية التي قد تتأثر إذا توسعت العمليات.
وشدد شمسان على أن استهداف مصفاة الرياض حمل رسالة مختلفة عن استهداف منشآت التصدير، إذ طال منشأة مرتبطة بالتوزيع الداخلي، إلى جانب ما تمثله من رمزية سيادية والاقتصادية.
وفي سياق متصل، تحدث عن استهداف معسكرات الحرس الوطني في نجران وجيزان، مشيراً إلى أن القوات المسلحة اليمنية سبق أن استهدفت مقر قيادة الحرس الوطني في جيزان قبل 48 ساعة، وأن الضربات طالت كذلك أحد الرادارات في جزيرة الحميضة.
وذكّر بأن الحرس الوطني ارتبط تاريخياً والقوة العسكرية التابعة للقبائل، وأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زج بقواته في المناطق الجنوبية لمواجهة اليمن، بالتزامن مع إيداع عدد من مشايخ القبائل السجون، في إطار مساعٍ للتخلص من مراكز القوة التي كانت تتبع الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.
واعتبر أن الضربات التي طالت معسكرات الحرس الوطني في نجران وجيزان وجهت رسالة إلى هذه القوات بضرورة مغادرة مواقعها، محذراً من أن استمرار وجودها في تلك المعسكرات جعلها عرضة للاستهداف.
وامتدت العمليات، وفق شمسان، إلى تحشيدات العدو السعودي في شمال وشرق الجوف، وشرق رغوان ومدغل في محافظة مأرب، وهي مواقع كانت ضمن الأوراق التي راهنت عليها الرياض للضغط على صنعاء، مشيراً إلى أن هذه الضربات جاءت امتداداً لعمليات سابقة استهدفت تجمعات القوات في شرق الجوف، وأوقعت عشرات ومئات القتلى والجرحى، في سياق استنزاف متواصل وتفكيك للتحشيدات.
وقال إن السعودية أعدت لهذه التحشيدات على مدى أربع سنوات، لكنها تبخرت أمام الضربات اليمنية الدقيقة، التي استندت إلى الإطباق الاستخباري ومتابعة تحركات العدو داخل الأراضي اليمنية وفي العمق السعودي، وتوفير الوسائط المناسبة لتنفيذ الضربات.
ولفت إلى استخدام صواريخ باليستية دقيقة الإصابة وأخرى متشظية لإيقاع أكبر عدد من الخسائر في تجمعات القوات، إلى جانب تطور طائرات “رجوم”، مبيناً أن المشاهد التي بثها الإعلام الحربي أظهرت جيلاً جديداً من هذه الطائرات، إذ حمل الطراز السابق ست قذائف، بينما حمل الطراز الذي ظهر في مشاهد استهداف التحشيدات داخل السعودية 14 قذيفة، مع زيادة في المدى والحمولة والدقة والاحترافية في التوجيه والإطلاق.
وأكد أن هذه التطورات ألغت وجود مناطق آمنة لتحشيدات القوات السعودية، سواء في المناطق اليمنية المحتلة أو داخل العمق السعودي، وأظهرت امتداد القدرة الاستخبارية اليمنية إلى ما وراء المناطق الحدودية، مشيراً إلى ضربات طالت مراكز قيادة وسيطرة أبعد من جيزان ونجران وعسير، مع تكتم سعودي عليها.
كما أكد أن الهدف الأساسي من معادلة “الحصار بالحصار” و”التصعيد بالتصعيد” حماية المواطنين اليمنيين وكسر الحصار المفروض عليهم، وانتزاع السيادة وإجبار السعودية على دفع التعويضات الكاملة عن الحرب والعدوان، منوهاً إلى أن القوات المسلحة اليمنية لم تكن قد استخدمت جميع قدراتها الصاروخية، وأن المؤشرات التي ظهرت في العمليات عكست استعداداً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد، قد تشمل أهدافاً أكثر حساسية، وقوة نارية أكبر، وقدرة تدميرية أعلى، مع زيادة كثافة العمليات وتقاربها زمنياً.
وفي ختام حديثه، شدّد العميد شمسان على أن القوات المسلحة اليمنية أدارت المواجهة على أساس أنها معركة طويلة، ولم تتعجل في استخدام جميع أوراقها، مؤكدةً أن التنازلات التي قدمها اليمنيون حرصاً على السلام لم تقابل بجدية من الطرف السعودي، وأن معادلة الردع ستستمر حتى كسر العدوان والحصار وانتزاع السيادة وتحقيق التعويضات.




