خريف الإمبراطورية: ترامب “غورباتشوف الأمريكي” وصعود السيادة الإقليمية في غرب آسيا

المراسل: كتابات

 

أ.د/ عبدالملك محمد عيسى
استاذ علم الاجتماع السياسي جامعة صنعاء

بينما كانت الطائرات الأمريكية تقلع من مطار كابول في مشهد جنائزي عام 2021 لم يكن العالم يدرك أن تلك اللحظة لم تكن مجرد انسحاب عسكري بل كانت إعلانا عن بدء الحقبة الغورباتشوفية للولايات المتحدة ومع عودة دونالد ترامب وتصريحاته المتناقضة تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران نجد أنفسنا أمام شخصية يصفها عالم الاقتصاد جيفري ساكس بالمعتلة نفسيا التي تدير إمبراطورية تترنح تحت وطأة ديون بلغت 34 تريليون دولار وفشل استراتيجي مزمن في قلب العالم غرب آسيا.
سيكولوجية الفشل: التاجر في مواجهة الحضارة
تكمن معضلة ترامب في محاولة إدارة الصراعات الوجودية بعقلية السمسار فبينما يدعي ممارسة الضغط الأقصى لإجبار طهران على التفاوض أثبتت الأرقام أن صادرات النفط الإيرانية قفزت في عهده وما بعده لتتجاوز 1.5 مليون برميل يوميا في 2026 متحدية منظومة العقوبات هذا التناقض النفسي الذي شخصه ساكس بالنرجسية المفرطة والكذب المزمن جعل ترامب يتوهم أن القيادة الإيرانية – التي تستمد شرعيتها من إيديولوجيا صلبة وقرار مركزي بيد المرشد الأعلى – يمكن إغراؤها بصفقة تجارية لكن الواقع الميداني كان يصفعه في كل مرة حيث تحول مضيق هرمز إلى منطقة نفوذ إيرانية خالصة مع انخفاض ملموس في فاعلية الدوريات الأمريكية بنسبة تجاوزت 40% ما جعل شريان الطاقة العالمي تحت رحمة أصحاب الأرض الإيرانيين.
الهروب الفوضوي: أفغانستان كنموذج
لا يمكن فهم غورباتشوفية ترامب دون النظر إلى سياسته في سوريا فانسحابه من قاعدة التنف وتسليم الجغرافيا السورية لأحمد الشرع (محمد الجولاني زعيم تنظيم القاعدة بالشام) دون انتخابات أو شرعية هو تكرار لسيناريو أفغانستان الفوضوي وتسليمها لنظام طالبان هذا السلوك يعكس عجز الإمبراطورية عن تحمل تكاليف قواعدها التي تستهلك سنويا ما يزيد عن 700 مليار دولار من ميزانية الدفاع دون تحقيق أمن حقيقي لقد أدركت القوى المحلية أن أمريكا الوقحة (كما وصفها قادة المنطقة) لا تتردد في التضحية بحلفائها مقابل مكاسب انتخابية ضيقة ما أدى إلى تحول استراتيجي في مواقف دول الخليج التي بدأت تبحث عن تصفير المشاكل مع إيران بعيدا عن المظلة الأمريكية المثقوبة.
الكيان الصهيوني: الانهيار من الداخل
في مقابل ذلك يظهر التآكل الصهيوني كدليل قاطع على فشل مشروع الهيمنة فتوسيع المعارك نحو لبنان واليمن والعراق وغزة لم يجلب الأمن للكيان الإسرائيلي بل فجر جبهتها الداخلية تشير الإحصاءات الميدانية لعام 2025 إلى أن أكثر من 150 ألف مستوطن اختاروا الهجرة العكسية نحو أوروبا وأمريكا مع تراجع في النمو الاقتصادي للكيان وصل إلى 1.2% فقط إن نظرية الأمن مقابل الوجود تحطمت فالمستوطن الذي جاء بحثا عن الوظيفة والرفاهية لا يمكنه البقاء تحت رحمة صواريخ وحدة الساحات وهو ما يثبت أن الأيديولوجيا الصهيونية لم تعد قادرة على مواجهة عوامل البقاء الأساسية.
إن ترامب بسماته النفسية المظلمة وتخبطه الاستراتيجي يلعب دور المعجل بالانهيار هو يظن أنه يعيد عظمة أمريكا بينما هو في الحقيقة يفكك أركان نفوذها العالمي نحن نراقب الآن لحظة تاريخية يتشكل فيها نظام إقليمي محلي تقوده إيران كقوة وازنة وتنسحب فيه أمريكا فوضويا تاركة خلفها شعوبا قررت أن تأخذ زمام أمرها بيدها إن غرب آسيا اليوم يودع زمن الوكالة ويستقبل زمن السيادة في مشهد يثبت أن صراخ التاجر في واشنطن لن يغير من حقيقة أن الجغرافيا تغلبت – في النهاية- على أوهام الأيديولوجيا الصهيونية.

الأقسام: آراء,الاخبار