المراسل : متابعات
لم يعد العدوان على اليمن يمر من دون كلفة، ولم تعد سياسة الحصار الجوي التي فرضتها السعودية طوال أحد عشر عاماً واقعاً أحادياً تتحكم به الرياض كما تشاء، فمع استهداف مطار صنعاء الدولي، جاءت الضربة اليمنية على مطار أبها لتعلن انتقال المواجهة إلى مرحلة مختلفة أصبح فيها أمن الملاحة الجوية السعودية مرتبطاً مباشرةً بقرار رفع الحصار عن اليمن.
هذه المعادلة الجديدة تتجاوز الرد العسكري إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في أحد أكثر القطاعات حساسية بالنسبة للسعودية وتوجهاتها الاقتصادية والسياحية، وهو قطاع الطيران المدني، الذي يعتمد في استمراره على عنصر الثقة قبل أي شيء آخر.
وعلى وقع استهداف مطار أبها، فإنه ومنذ اللحظة التي أطلقت فيها القوات المسلحة اليمنية تحذيرها لشركات الطيران من استخدام المطارات والأجواء السعودية، بدأت المؤشرات العملية تظهر تباعاً، بما يكشف أن التحذير بات يُنظر إليه باعتباره معطى عملياتياً فرض نفسه على شركات الطيران والحكومات، وهو الأمر الذي بدأ يشكّل نوعاً من العزلة الجوية الدولية على الرياض.
فخلال ساعات من استهداف مطار أبها، أعلنت شركات طيران خليجية وعربية إلغاء رحلاتها إلى المطار ومنه، حيث ألغت فلاي دبي رحلاتها إلى أبها، كما ألغت رحلاتها إلى نجران، مع إعلانها متابعة التطورات والتواصل مع المسافرين المتضررين.
وأوقفت شركات سعودية، بينها الخطوط السعودية وفلاي ناس، عدداً من الرحلات المرتبطة بأبها، في حين أعلنت شركة إير كايرو المصرية إلغاء رحلاتها بسبب إغلاق المطار، بينما أظهرت بيانات حركة الطيران إلغاء عشرات الرحلات المغادرة والقادمة إلى المطارات السعودية، مع استمرار الاضطراب في الحركة الجوية.
ومع زحف التداعيات والتأثيرات إلى الحركة الجوية وشركات الطيران الدولية، فقد أسهمت العملية اليمنية أيضاً في توسيع الاضطرابات داخل المملكة، حيث أصدرت الحكومة الكندية تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى مطار أبها بسبب مخاطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وهو ما يكشف انتقال المخاطر الأمنية إلى مستوى التحذيرات الرسمية للدول.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن قطاع الطيران المدني يقوم على تقييمات شركات التأمين وهيئات السلامة الجوية، وليس فقط على المواقف السياسية، فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر يدفع شركات الطيران إلى تعليق الرحلات أو إعادة جدولتها، كما يرفع تكاليف التأمين والتشغيل.
وفي هذا السياق، تبدو المعادلة اليمنية الجديدة مختلفة عن المراحل السابقة؛ حيث يتوسع الهدف من توجيه ضربة عسكرية رادعة في إطار معادلة “المطار بالمطار”، إلى خلق واقع تشغيلي جديد يجعل استمرار تشغيل المطارات السعودية في ظل استمرار إغلاق مطار صنعاء أمراً محفوفاً بالمخاطر، وبذلك ينتقل الضغط من الميدان العسكري إلى قطاع النقل الجوي والاقتصاد والاستثمار والسياحة، فضلاً عن أن هذه المعادلة تؤسس لنقل الحصار من صنعاء إلى الرياض، لا سيما في ظل توسع المخاوف الدولية وافتقار المملكة وداعميها للإرادة والقوة التي ظهرت بها اليمن وحليفتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال الإصرار على إكمال الرحلة من إيران إلى اليمن في مشهد ملحمي ما تزال أصداؤه تدوي، وما تزال تداعياته تتجه إلى كسر الحصار بالقوة.
وبالعودة إلى السياق، تكشف ردود فعل شركات الطيران أن الرسالة اليمنية حققت أثرها الأولي، فالشركات تتخذ قراراتها استناداً إلى تقييم المخاطر، وهو ما يفسر سرعة إلغاء الرحلات وتعليق بعضها فور صدور التحذيرات ووقوع الهجوم على مطار أبها، فضلاً عن إعلانات العزوف الدولية المتوالية.
كما أن استمرار إغلاق مطار أبها وتعطل الحركة الجوية فيه لليوم التالي، مع إلغاء عشرات الرحلات، يوضح أن التأثير تجاوز حدود الضربة العسكرية نفسها، ليتحول إلى اضطراب فعلي في قطاع الطيران المدني السعودي، وهو ما يولّد المزيد من التداعيات على بقية القطاعات الاقتصادية، والأهم من ذلك خلق تأثيرات مباشرة على قطاع السياحة الذي يسعى بن سلمان إلى جعله مرتكزاً للاقتصاد السعودي، غير أن سياساته العدوانية تجاه اليمن قد تقود إلى إفشال كل خططه وتوجهاته ورؤاه الاقتصادية التي لم تجنِ طيلة عشر سنوات من إعلانها غير الفشل والعجز.
ومن زاوية أوسع، فإن اليمن يسعى إلى نقل معادلة الحصار من اتجاه واحد إلى اتجاه متبادل؛ فإذا كانت السعودية قد فرضت طوال سنوات حصاراً جوياً على اليمن ومنعت الرحلات المدنية إلى مطار صنعاء، فإن اليمن يعلن اليوم أن استمرار هذا الحصار سيقابله تهديد مباشر لحركة الطيران في المطارات السعودية، بما يقود إلى خلق عزلة جوية دولية في ظل تتابع إعلانات شركات الطيران الدولية إلغاء رحلاتها من وإلى السعودية، وهو ما يجعل كلفة استمرار الحصار على اليمن أعلى من كلفة إنهائه.
وتحمل هذه المعادلة أبعاداً اقتصادية تتجاوز قطاع الطيران نفسه، فاضطراب حركة المطارات ينعكس على السياحة والاستثمار وسلاسل النقل والخدمات اللوجستية، كما يؤثر على صورة الاستقرار التي تسعى السعودية إلى ترسيخها ضمن مشاريعها الاقتصادية، وهو ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد عبئاً متزايداً على الرياض.
وفي المقابل، فإن اليمن يسعى إلى ترسيخ فكرة أن رفع الحصار أصبح شرطاً ضرورياً لعودة الاستقرار إلى المجال الجوي في المنطقة، ولم يعد مطلباً سياسياً قابلاً للتأجيل أو المساومة، فالمعادلة المطروحة اليوم، وفق الخطاب اليمني، تقوم على مبدأ واضح: لا يمكن أن تبقى المطارات السعودية تعمل بصورة طبيعية بينما يستمر إغلاق مطار صنعاء وحرمان اليمنيين من حقهم في السفر.
وتشير هذه التطورات إلى أن الردع اليمني دخل مرحلة جديدة، قوامها التأثير المباشر في حسابات الطيران المدني، وليس فقط في الحسابات العسكرية، وهذا التحول يمنح اليمن ورقة ضغط إضافية، لأنها تستهدف قطاعاً شديد الحساسية، سريع التأثر، وتنعكس تداعياته فوراً على الشركات والأسواق والمسافرين، والمنظومة الاقتصادية السعودية بشكل عام.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الخيارات أمام السعودية أكثر ضيقاً من أي وقت مضى، فالمضي في سياسة الحصار والتصعيد يعني توسيع دائرة المخاوف على مطاراتها وحركتها الجوية واقتصادها، بينما يفتح رفع الحصار عن اليمن الباب أمام احتواء التصعيد واستعادة الاستقرار.
وبذلك، فإن الضربة اليمنية على مطار أبها مثلت إعلاناً عن مرحلة جديدة في المعركة، يتأكد فيها للجميع أن الحصار لم يعد معادلة أحادية، وأن أمن الملاحة الجوية السعودية أصبح مرتبطاً مباشرة بإنهاء العدوان ورفع الحصار عن اليمن، باعتبار ذلك الطريق الأقصر لتجنب المزيد من المتاعب على النظام السعودي ومشغلّيه.




