من وحيّ خطاب السيد القائد في الذكرى الـ12 لثورةِ الـ21 من سبتمبر الخالدة

المراسل : متابعات

 

رسمَ الخطابُ التاريخيُّ للسيدِ القائدِ عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- بمناسبةِ الذكرى الثانيةِ عشرةَ لثورةِ الحادي والعشرين من سبتمبر، الخارطةَ النهائيةَ للصراع والمواجهة الحالية مع العدو السعودي وأدواته الميدانية، مجهضًا عهودًا طوالاً من المراهنةِ السعودية الأمريكية البريطانية الأمريكية على سلبِ الإرادةِ اليمنية.

استعراضٌ تقويميٌّ لمحطةٍ ثوريةٍ مفصلية، تمظهرَ في مسارِ حسمٍ سياسية وعسكرية رفيعةِ المستوى، كلمةٌ جاءت تشرّحُ بعمقٍ فاحصٍ ما بين سطورِ التحركاتِ الأخيرةِ للعدوان، وتضعُ المحيطَ الإقليميَّ والدوليَّ أمام مرآةِ استحقاقاته دون مواربة؛ ليؤكدَ أن اليمنَ الذي أريدَ له أن يكونَ حديقةً خلفيةً منسيةً وخاضعةً لوصايةٍ سلبية مقيتة، قد غدا اليومَ الرقمَ الصعبَ والمحورَ المباشرَ الذي تتكسرُ على صخرةِ إرادته كتلُ الاستكبارِ العالمي.

واقعٌ شخّصه السيد القائد بدقةٍ متناهية، وإعادةَ التذكيرِ بالواقعِ الذي سبقَ انفجارَ طوفانِ الـ21 من سبتمبر؛ حيث لم تكن السلطةُ في صنعاءَ حينذاك سوى لافتةٍ شكليةٍ تُدارُ بالكاملِ من أروقةِ السفارةِ الأمريكية، والتي تحولَ سفيرُها إلى حاكمٍ فعليٍّ يصيغُ البرنامجَ الرسميَّ لجميعِ مؤسساتِ الدولةِ وفقَ الإملاءاتِ الأمريكيةِ والبريطانيةِ والسعودية.

لقد كانت تلك المرحلةُ عمليةَ تدميرٍ منهجيٍّ مجففٍ لجميعِ مقوماتِ الكيانِ الوطني؛ إذ اتجهت سلطاتُ الوصايةِ إلى التفكيكِ الخبثِ للجيشِ اليمني، مستهدفةً مكامنَ القوةِ الدفاعيةِ كالبريةِ والدفاعِ الجويِّ والبحرية، بالتوازي مع تفككٍ أمنيٍّ شاملٍ تحولت فيه العاصمةُ صنعاء والمدنُ إلى مسارحَ لاغتيالاتٍ يوميةٍ طالت الكوادرَ العسكريةَ والأكاديمية، ووصلت حدَّ الإجرامِ التكفيريِّ المسلحِ داخلَ المستشفيات.

وعلى الرغمِ من تدفقِ عائداتِ النفطِ والغازِ وغيابِ حالاتِ الحربِ المباشرة، كانت الجرعُ الاقتصاديةُ القاتلةُ تُسلطُ تسليطاً على رقابِ المواطنين، بما يؤكدُ أن قرارَ الوصايةِ الخارجيَّ كان يتجهُ عمدًا بالبلادِ نحو حالةِ الإشهارِ الشاملِ للإفلاسِ والانهيارِ التام.

ومن رحمِ هذا الانسدادِ التاريخيِّ والمهانةِ المفروضة، انبثقت ثورةُ الـ21 من سبتمبر كقرارٍ يمنيٍّ أصيلٍ ونقي، صُنعَ بإمكاناتٍ ذاتيةٍ وإرادةٍ شعبيةٍ مستقلةٍ لم تُحركها أجنداتٌ خارجيةٌ أو تمويلاتٌ مشبوهة، وتميزت هذه الحركةُ التحرريةُ بنهجها الصادقِ في إعادةِ الاعتبارِ للكرامةِ الإيمانيةِ للإنسانِ اليمني، وهي الصفةُ التي أثارت حفيظةَ أدواتِ الاستكبارِ وأقضّت مضاجعهم.

ورغم أن الثورةَ قدمت نموذجًا حضاريًا وسلمًا اجتماعيًا تجلّى في توقيعِ “اتفاقِ السلمِ والشراكة”، وأكدت بوضوحٍ عدمَ عداءِ اليمنِ لمحيطه العربيِّ أو طمعه في ثرواتِ الآخرين، معلنةً تمسكها بعلاقاتٍ تقومُ على الاحترامِ المتبادلِ والمصالحِ المشتركةِ والاستقلالِ الكامل، إلى جانبِ مجاهرتها بالوقوفِ المبدئيِّ مع قضايا الأمةِ وفي مقدمتها فلسطين، إلا أن هذا التوجهَ التحرريَّ الصادقَ هو بالذاتِ ما دفعَ حلفاءَ الوصايةِ للجوءِ إلى خيارِ القوةِ العسكريةِ الغاشمة.

ووضعنا السيد القائد في مرحلةِ العدوانِ الشاملِ الذي شنته المملكةُ السعوديةُ بإشرافٍ ومشاركةٍ وتوجيهٍ مباشرٍ من الأمريكيِّ والبريطانيِّ والصهيوني، كاشفًا عن حجمِ الحقدِ والمظلومية؛ فقد ارتكبَ التحالفُ الباغي منذ يومه الأول أبشعَ الجرائمِ الموصوفةِ دوليّاً كجرائمِ حربٍ وجرائمَ ضدَّ الإنسانية وإبادةٍ جماعية، مستهدفًا كافةَ مقوماتِ الحياة.

ومن خلالِ غطاءٍ سياسيٍّ أمريكيٍّ مطلقٍ وصفقاتِ سلاحٍ مليارية، تم قصفُ أكثرَ من 2000 مسجد، واستُهدفت منازلُ المدنيين، والمدارسُ، الأسواقُ، والأعراسُ، والمآتم، وسطَ تخاذلٍ وصمتٍ دوليٍّ وعربيٍّ وإسلاميٍّ مريب، لم يشذَّ عنه سوى موقفِ أحرارِ العالمِ ومحورِ الجهادِ والمقاومة، ولقد بلغت المعاناةُ جراءَ الحصارِ المطبقِ مداياتٍ غيرَ مسبوقة، أجبرت بعضَ المواطنين على أكلِ شجرِ الأرضِ للبقاءِ على قيدِ الحياة.

غيرَ أن الرهانَ الاستكباريَّ على إخضاعِ الشعبِ اليمنيِّ سقطَ أمامَ تحركٍ شعبيٍّ مقدسٍ انطلقَ من واقعِ المسؤوليةِ الدينيةِ والوطنيةِ والأخلاقية، وبمسارٍ تصاعديٍّ إعجازي، بدأ بناءُ القدراتِ العسكريةِ والأمنيةِ من نقطةِ الصفرِ المطلق، ليتحولَ الاستبسالُ والتضحيةُ الذاتيةُ إلى قوةٍ ضاربةٍ أحبطت آمالَ الأعداء في تحسينِ شروطِ التفاوضِ أو حسمِ المعركةِ ميدانياً.

هذا التحولُ الهيكليُّ هو ما يفسرُ سلوكَ المعتدي السعوديِّ خلالَ مرحلةِ “خفضِ التصعيد”؛ فبدلاً من استغلالها كفرصةٍ لمراجعةِ الحساباتِ والانسحاب، استمرَ النظامُ السعوديُّ كأداةٍ تبعيةٍ منفذةٍ لبرامجِ الأمريكيِّ والإسرائيلي، راهناً على هجماتهم لتدميرِ القدراتِ اليمنية، وناشطاً في تقديمِ الدعمِ الاستخباري، بل وفتحِ مطاراته لطائراتِ الاستطلاعِ الصهيونية، واعتراضِ الصواريخِ والمسيّراتِ اليمنيةِ الموجهةِ لنصرةِ غزة، بالتوازي مع حملاتٍ إعلاميةٍ مضللة وتضييقٍ خناقِ الحصارِ عبرَ وفودٍ مشتركةٍ زارت جيبوتي لتشديدِ القيودِ الاقتصادية.

إن تتبعَ الكلفةِ الإنسانيةِ المترتبةِ على تراكمِ آثارِ الحصارِ واستهدافِ العملةِ الوطنيةِ كما وصفها السيد القائد، يكشفُ عن مظلوميةٍ هي الأكبرُ في التاريخِ الحديث؛ فقد أدى انهيارُ الخدماتِ الطبيةِ وانعدامُ الأدويةِ وإغلاقُ المطارِ الدوليِّ إلى وفاةِ مليونٍ وأربعمائةِ ألفِ مواطن، فيما تؤكدُ الإحصاءاتُ الدوليةُ أن أكثرَ من 22 مليون يمنيٍّ بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدات، و18 مليوناً يعانون من انعدامِ الأمنِ الغذائي، و2 مليون طفلٍ يواجهون خطراً داكناً جراءَ سوءِ التغذية.

وأمامَ هذا الواقعِ المؤلمِ والانسدادِ الذي لم يعد ممكناً السكوتُ عنه، جاءَ التحركُ اليمنيُّ الراهنُ لانتزاعِ الحقوقِ بالقوةِ باعتباره خياراً مشروعاً، ومبرراً أخلاقياً وقانونياً لا ينازعُ فيه إلا مكابر، محصناً بشرعيةٍ إلهيةٍ ساطعةٍ وردت في آياتِ الكتابِ الحكيم.

ولقد جاءَ الاستئنافُ السعوديُّ الأخيرُ للتصعيدِ العسكريِّ عبرَ التحشيدِ البريِّ الواسعِ بعشراتِ الآلافِ من الخونةِ والمرتزقةِ إلى جبهاتِ الجوف، والمخا، والساحلِ الغربي، والبيضاء، تحتَ قيادةِ ضباطٍ سعوديين، وتفعيلِ الغاراتِ الجويةِ التي بلغت حتى يومِ أمس 760 غارة، واستهدافِ الأعيانِ المدنيةِ والجسورِ والإصلاحياتِ المركزية، مصحوبًا بتهديداتٍ إعلاميةٍ مستوحاةٍ من الأساليبِ الداعشيةِ والصهيونية؛ ليقابلَ بمعادلةٍ يمنيةٍ حازمة: “الحصارُ بالحصار، والتصعيدُ بالتصعيد”.

ولما اتجهت القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ للردِّ بالمثلِ وقصفِ العمقِ السعودي، سارعت الرياضُ كعادتها إلى الصراخِ والاستنجادِ بالمجتمعِ الدوليِ والأنظمةِ الإقليمية، وهنا تبرزُ عبقريةُ التحليل في خطابِ السيدِ القائد، حين وجهَ أسئلةً استنكاريةً تعرّي ازدواجيةَ المعاييرِ لدى الدولِ المتضامنةِ مع المعتدي السعودي: هل تقبلُ تلك الدولُ أو شعوبها أن تُغلقَ مطاراتها، وأن تُمنعَ تجارتها، وأن تُفتشَ شحناتها قطعةً قطعةً على مدى شهور، وأن تُحرمَ من عائداتِ نفطها وغازها، وأن يعيشَ موظفوها بلا مرتباتٍ لـ11 عاماً؟ وهل يقبلُ النظامانِ التركيُّ أو الباكستاني، أو دولُ الخليج، أن يتعرضوا لـ760 غارةً جويةً ودخلٍ سافرٍ في قراراتهم السياسيةِ دون أن يقوموا بقلبِ الطاولة؟

إن وضعَ هذه الأسئلةِ أمامَ الرأيِ العامِ ينسفُ كافةَ الذرائعِ التي تتوسلُ بها الرياضُ لاستجلاءِ التضامنِ الخارجي، والقراءةَ الفاحصةَ للمشهدِ الميدانيِّ تشيرُ إلى أن النظامَ السعوديَّ، بعد أن أدركَ فاعليةَ الموقفِ اليمنيِّ وعجزه الذاتي، يسعى جاهداً لتوريطِ أطرافٍ إقليميةٍ كالجيشينِ التركيِّ والباكستاني، واستدعاءِ الفصائلِ التكفيريةِ في سوريا التي تتعرضُ بلادهم لاستباحةٍ صهيونيةٍ كاملةٍ يهددُ فيها المجرمُ نتنياهو قادتهم على بعد 35 كيلومتراً من القصرِ الجمهوريِّ بدمشق.

ومن هنا جاءت النصيحةُ القياديةُ الحازمةُ لكافةِ هذه الأطرافِ بعدمِ التورطِ في المحرقةِ اليمنيةِ خدمةً للمشروعِ الصهيوني-الأمريكي، وتوجيهِ الطاقاتِ والبنادقِ نحو العدوِّ الحقيقيِّ للأمةِ دفاعًا عن الشعبِ الفلسطينيِّ في غزة والضفة والمسجدِ الأقصى الذي يتعرضُ للانتهاكِ والتهجيرِ اليومي.

ولعلَّ أعمقَ ما تناوله خطاب السيد القائد هو التعريةُ الحاسمةُ للمظلوميةِ والتزييفِ اللذين يمارسهما العدوّ السعوديُّ عبرَ ادعاءاته الكاذبةِ باستهدافِ مكةَ المكرمة، وإن مكةَ ليست إمارةً سعوديةً خاصة، بل هي معلمٌ إسلاميٌّ مقدسٌ يخصُّ كلَّ المسلمين، والشعبُ اليمنيُّ هو من أكثرِ الشعوبِ تعظيماً وتقديساً للشعائرِ الإلهية.

ولقد ذكّرَ السيد القائد بالتاريخِ الأسودِ للحكمِ السعوديِّ بدءاً من مجزرةِ “تنومة” التي راحَ ضحيتها 3000 حاجٍّ يمنيٍّ أعزل، وصولاً إلى استغلالِ قدسيةِ الحرمينِ لفرضِ النفوذِ والخدمةِ المباشرةِ لأمريكا و(إسرائيل)، والتي تجلت في أبشعِ صورها بتقديمِ ستارِ الكعبةِ للمجرمِ الصهيونيِّ اليهودي “إبستين”، وتوظيفِ منبرِ المسجدِ الحرامِ للتطاولِ على أحرارِ الأمة.

إن ولايةَ المسجدِ الحرامِ هي للمؤمنين المتقين وليست للفاجرين والعملاء، ومن هذا المنطلقِ جاءَ التنويهُ من السيد بمخرجاتِ مؤتمرِ علماءِ اليمن، والتأكيدُ على الخروجِ المليونيِّ العارمِ يومَ الجمعةِ الفائت لرفضِ هذا البهتانِ الساقطِ ولإعلانِ الخزيِ والعارِ على الأنظمةِ المتضامنةِ مع هذا الزيف.

إن المطالبَ اليمنيةَ التي حسمها السيد القائد لا تتضمنُ أيَّ شروطٍ تعجيزية، بل تعبرُ عن حقوقٍ إنسانيةٍ وسياديةٍ أصيلة: “وقفٌ شاملٌ للعدوان، إنهاءٌ تامٌّ للحصارِ والاحتلال، تمكينُ الشعبِ من الاستفادةِ من ثرواته النفطيةِ والغازية، وضمانُ حريةِ السفرِ والتجارة”، كون اليمنَ يقبلُ بالإنصافِ الكامل، وعلى الأمةِ أن تسعى للضغطِ باتجاهِ هذا الإنصافِ بدلاً من تغذيةِ العدوان.

وبالمحصلة؛ فإن خطاب السيد القائد في الذكرى الـ12 للثورة، هو صوت كل اليمنيين، به يتحددُ المطلوبُ من أبناءِ الشعبِ اليمنيِّ في هذه المرحلةِ الاستثنائيةِ بالاستمرارِ الواعي في التعبئةِ العامة، والسعيِ الحثيثِ لإصلاحِ مؤسساتِ الدولة، والتصدي للعدوانِ والحصار، ومواصلةِ بناءِ القدراتِ العسكريةِ والأمنية؛ إيماناً بأن ثمرةَ الصبرِ والقيامِ بالمسؤوليةِ هي النصرُ المبين، وأن العاقبةَ المضمونةَ هي دائمًا وأبدًا للمتقين.

الأقسام: الاخبار,المراسل العام