توسيع الموجة 79.. انضباط عملياتي يستكمل “بنك الأهداف” ويُغرق الأعداء في استنفار “مفتوح”

المراسل: متابعات

 تكشف الموجة الـ79 من عملية “الوعد الصادق 4” عن تحول نوعي في إدارة العمليات الإيرانية، حيث أظهرت أن الموجات الصاروخية باتت عمليات ممتدة زمنياً ومترابطة ميدانياً، تُدار وفق بنك أهداف مُعد مسبقاً، وتُستكمل مراحله تباعاً حتى تحقيق كامل الأهداف المرسومة، كما حدث في توسيع الموجة المذكورة بعد نحو ثماني ساعات من إعلان انطلاقها، الأمر الذي يضعنا أمام واقع عسكري جديد يفرض سيطرة إيرانية كاملة على “عنصري الزمن والمكان”.

وكان حرس الثورة الإسلامية قد أعلن ظهر اليوم تنفيذ الموجة 79 باستخدام “صواريخ قوية من طراز خيبر شكن وعماد وسجيل وطائرات مسيّرة”، مؤكداً أن “أسلحتنا تمكنت من اختراق منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات للأعداء واستهدفت مواقع وُصفت بأنها آمنة تابعة للأجهزة الاستخباراتية شمال ووسط يافا المحتلة”، إلى جانب “استهداف مراكز تجارية ولوجستية داعمة لجيش العدو الإسرائيلي في رامات غان والنقب”، و”استهداف المركز الرئيسي للإمداد والإدارة العسكرية الصهيونية في الجنوب بمدينة بئر السبع”، منوهاً إلى أن “تصاعد الدخان والنيران في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة وبقاء أكثر من مليوني إسرائيلي في الملاجئ لفترات طويلة دليل على فاعلية القدرات الصاروخية”.

غير أن التحول الأبرز تمثل في إعلان توسيع الموجة مساء اليوم، أي بعد نحو 8 ساعات من إعلان تنفيذها، حيث أكد حرس الثورة في بيانه قبل قليل أنه استهدف “ضمن الموجة 79 أم الرشراش ومحطات الاستقبال الفضائي للعدو الإسرائيلي”، إلى جانب “استهداف قواعد الأزرق والشيخ عيسى وعلي السالم وعريفجان الأمريكية بالصواريخ والمسيّرات”، وهو ما يعكس بوضوح أن الموجة عبارة عن عملية ممتدة تُستكمل مراحلها وفق توقيت مدروس، بالتوازي مع مسار عملياتي مستقل ضمن موجات مستقلة لاحقة.

هذا التطور يكشف أن القيادة العسكرية في حرس الثورة الإسلامية تتعامل مع الموجة الواحدة كخطة متكاملة الأركان، فالفرق الزمني الذي تجاوز ثماني ساعات بين الضربات الأولى التي استهدفت يافا والنقب وبئر السبع، وبين استهداف القواعد الأمريكية ومحطات الاستقبال الفضائي في “أم الرشراش”، يؤكد أن إيران تختار “التوقيت المناسب” لكل هدف على حدة داخل الموجة الواحدة.

هذا التوسيع بعد ساعات من انطلاق الموجة يحمل دلالات عملياتية عميقة، أولها أن كل موجة تُبنى على بنك أهداف محدد مسبقاً، ولا يُعلن اكتمالها إلا بعد ضرب جميع الأهداف المقررة، بغض النظر عن الفاصل الزمني بين الضربات، ما يعني أن عامل الوقت يُدار كأداة تكتيكية بحد ذاته، وليس كقيد على التنفيذ.

كما يؤكد هذا النمط أن طهران تختار توقيت استكمال الموجة بما يحقق أقصى أثر ممكن، سواء على مستوى المفاجأة أو على مستوى استنزاف منظومات الدفاع الجوي للعدو، التي تُجبر على البقاء في حالة استنفار طويلة، ما يزيد من فرص اختراقها في مراحل لاحقة من الموجة نفسها.

ومن زاوية أخرى، يعكس تزامن توسيع الموجة 79 مع استمرار دينامية العمليات ضمن موجات سابقة ولاحقة، حالة من الانضباط العالي في إدارة المعركة، حيث تعمل الموجات كمسارات متداخلة زمنياً دون تعارض، ما يدل على وجود غرفة عمليات قادرة على ضبط الإيقاع العملياتي بدقة، وتوزيع الجهد الناري بما يمنع العدو من التقاط أنفاسه أو إعادة ترتيب دفاعاته، أو حتى توقّع مسار العمليات.

وأيضاً فإن هذا التوسيع يحمل دلالة عملياتية عميقة؛ وهي أن عامل الوقت يُدار كأداة تكتيكية بحد ذاته، فالموجة لا تُغلق إلا بضرب جميع أهدافها المرسومة، ما يعني أن كل صاروخ من طراز “خيبر شكن” أو “عماد” أو “سجيل”، وكل طائرة مسيّرة، لها “ساعة صفر” خاصة تضمن تحقيق “الهدف الكامل”، مما يحول الموجة إلى سلسلة مترابطة من الصدمات المتتالية التي لا تهدأ.

وفي السياق ذاته، يؤدي هذا النمط إلى إرباك الأعداء على مستوى التقدير العملياتي، إذ يفقدهم القدرة على التنبؤ بنهاية أي موجة، أو تحديد سقفها الزمني والجغرافي، ما يجعلهم في حالة استنفار دائم، ويحرمهم من إمكانية تشتيت الجهد الإيراني أو امتصاص الضربات عبر توزيع الموارد الدفاعية.

أما بشأن الاستنفار المرهق للأعداء، فإن بقاء ملايين الصهاينة في الملاجئ لفترات طويلة يعتبر “هدفاً سيكولوجياً” يتحقق من خلال إطالة أمد الموجة الواحدة – مع وجود عمليات متزامنة ضمن مسار آخر له أهدافه الخاصة – ما يبقي الجبهة الداخلية للعدو في حالة شلل واستنفار مستنزف، ويُجبر منظومات الدفاع الجوي على البقاء في حالة تأهب قُصوى تزيد من احتمالات فشلها أمام الموجات اللاحقة.

كما يعزز تكتيك إدخال قواعد أمريكية ضمن نطاق التوسيع، بالتوازي مع استهداف العمق الصهيوني، التكامل في بنك الأهداف على المستويين الزماني والمكاني، حيث تُدار المعركة كوحدة جغرافية واحدة، تُضرب فيها مراكز قوة الأعداء والدعم والانتشار العسكري ضمن مسار موحد، وهو ما يضاعف الضغط على المنظومات الدفاعية للعدوين في آنٍ واحد، في حين أن هذا يؤكد قدرة طهران على إدارة معركة تمتد لساعات طويلة وبنفس الوتيرة التصاعدية، الأمر الذي يحوّل استراتيجية “النَفَس الطويل” والقدرة على فرض الإرادة الميدانية إلى عوامل أخرى تُفقد العدو القدرة على التنبؤ بنهاية أي موجة أو تحديد سقفها الزمني والجغرافي، ما يجعله مكشوفاً تماماً أمام ضربات لا يمكن احتواؤها.

وبغض النظر عن معطيات الموجات السابقة ونتائجها التي أذهلت الجميع، وأجبرت شركاء أمريكا والكيان على الانحناء والانكفاء، فإن “الموجة 79” بصيغتها الأولية والموسّعة تثبت أن “الوعد الصادق 4” ومسار موجاتها صارا “سيمفونية عسكرية” منضبطة، حيث التوقيت هو السلاح الأقوى، والوصول إلى الهدف هو النتيجة الحتمية التي لا تقبل التأجيل، فيما يرسّخ هذا التكتيك معادلة ردع إضافية تجعل العدو في حالة انتظار دائم لضربةٍ يعلم أنها قادمة، لكنه يجهل تماماً متى وكيف ستنتهي

الأقسام: الاخبار,المراسل العالمي,اهم الاخبار