هرمز تحت القبضة الإيرانية: من يملك شريان الطاقة يفرض شروطه

 

المراسل: كتابات

 

فؤاد المزنعي

في لحظةٍ مفصليةٍ من تاريخ المنطقة، لم يعد التوتر مُجَـرّد تصعيد عسكري عابر، بقدر ما تحول إلى صراع على مفاتيح النظام العالمي للطاقة.

 

 

إعلانُ الرئيس الإيراني بوضوح تأجيلَ الرد العسكري المباشر إلى وقت لاحق أثبت أن طهران باتت تعوِّلُ على قدرتها على تحقيق حسم سريع وفق المعادلات المتحَرّكة؛ فطهران تتبنى استراتيجية معادلة جديدة عنوانها “من يسيطر على الممرات، يمتلك القرار”.

 

لقد أصبح مضيق هرمز أدَاةً سيادية بيد إيران؛ فإيران التي صمدت في حروب استنزاف طيلة أسابيع، وواجهت ضغوطًا عسكرية واقتصادية مركبة، لا تقبل بالعودة إلى طاولة المفاوضات إلا بشروطها الجديدة، ومنها إدارة المضيق، وهنا تتبلور ملامحُ استراتيجية إيرانية متعددة الأبعاد لا تقتصر على الرد العسكري، وإنما تمتد إلى توظيف الاقتصاد والجغرافيا كأدوات ضغط فعالة، وهو ما يضع المنطقة بأكملها أمام اختبار غير مسبوق.

 

تدرك واشنطن أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران ستطالُ شبكةَ المصالح الأمريكية في الخليج، خَاصَّة في الدول التي تستضيفُ قواعدَها العسكرية، وهذا ما يفسِّرُ التوازن الدقيق بين تهديد الردع، والبحث عن مخارج للاحتواء، فالهدف في إدارة أي تصعيد يجب أن يضعَ في الحسبان أن نتائجَ الصراع تظهر في ساحات القتال، وكذلك في أسعار الطاقة واهتزاز الأسواق.

 

في المقابل، تضع إيران شروطًا واضحةً ليس فيها ضمانات دولية تمنع تكرارَ أي عدوان، وهي تعويضات عن الخسائر التي تكبّدتها، واعتراف كامل بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي، وقد وصف المرشد الشهيد السيد علي الخامنئي في إحدى خطاباته العقوبات بأنها “حرب اقتصادية ممنهجة”، مشدّدًا على أن أية تسوية يجب أن تنهي جذور الصراع لا مظاهره فقط.

 

غير أن الورقة الأهمَّ تظل في “مضيق هرمز”، حَيثُ تسعى طهران إلى إعادة صياغة قواعد الملاحة في المضيق عبر فرض رسوم على السفن العابرة، وهي خطوة قد تبدو اقتصادية في ظاهرها، إلا أنها رسالة سياسية بأن الملاحة العالمية لم تعد منفصلة عن التوازنات السياسية في المنطقة.

 

ويضع هذا التحولُ دولَ الخليج أمام واقع جديد، خَاصَّة بعد أن امتدت دائرةُ الردود خلال التصعيد الأخير لتشمل أراضيَها ومنشآتِها الحيوية؛ فالمعادلة تتجاوز كونها ثنائية بين واشنطن وطهران، لتصبح إقليمية بامتيَاز، وتتداخل فيها المصالح والتهديدات بشكل غير مسبوق.

 

كما أن انتقال إيران من استراتيجية “الدفاع” إلى استراتيجية “توسيع نطاق الضغط” يعكس إدارة أمنية لطبيعة المرحلة؛ فبدلًا من الاكتفاء بالرد، تسعى طهران إلى فرض قيود مُستمرّة على خصومها سواء عبر تهديد خطوط الطاقة أَو إعادة تعريف قواعد الاشتباك.

 

وتوحي المؤشرات الحالية بأن منطقة غرب آسيا تتجهُ نحو إعادة تشكيل شاملة لمعادلات القوة العسكرية والاقتصادية في وقت واحد، وفي مقدمتها الطاقة وهو العامل الحاسم.

 

وَإذَا استمرت إيران في توسيع نطاق أهدافها ليشمل دول الخليج المرتبطة بالوجود الأمريكي، فإن المنطقةَ قد تدخُلُ مرحلة من “الردع المتبادل المفتوح”، حَيثُ يصبح الرهان على فاعلية التحول إلى مواجهة إقليمية واسعة.

 

في هذا المشهد، لن يكونَ السؤالُ “من يربح الحرب؟” وإنما “مَن يستطيع إدارة التوازن الخاسر؟”، فإما أن تنجحَ القوى الدوليةُ والإقليمية في بلورة نظام توازن جديد يحترم سيادة الدول، أَو أن تنزلقَ إلى دورة تصعيد طويلة تعيد رسم خريطته السياسية والاقتصادية بالقوة.

 

وفي الخاتمة، يبقى مضيق هرمز العنوان الأبرز لعصر جديد تُكتَب فيه قواعدُ الهيمنة بلُغة الطاقة

الأقسام: آراء,الاخبار