المراسل : متابعات
في أعقاب أسابيع من الحرب والتصعيد، تخرج إيران بصورة دولة مثقلة بأزمات داخلية متراكمة، حيث تتقاطع التداعيات الاقتصادية مع انقسامات حادة داخل مراكز القرار، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام على إدارة المرحلة المقبلة.
وتشير تقارير دولية، بينها ما نشرته “رويترز”، إلى أن الخلاف داخل بنية الحكم في طهران لم يكن بين دعاة الحرب والسلام، بل بين أجنحة سعت إلى توظيف التصعيد لتعزيز نفوذها، في ظل تنافس بين التيار السياسي الذي يبرز فيه محمد باقر قاليباف، والمعسكر العسكري الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني.
وبحسب هذه المعطيات، تحوّل القرار الإيراني إلى معادلة معقّدة تقوم على توزيع المسؤوليات وتأجيل الكلفة، فيما يتحمّل المجتمع تبعات خيارات لم يشارك في صنعها، وسط تزايد نفوذ الحرس الثوري داخل مؤسسات القرار، لا سيما في مجلس الأمن القومي ومحيط المرشد.
على الصعيد الاقتصادي، تبدو الأرقام أكثر قسوة من الخطاب السياسي. فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب قد تؤدي إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإيراني بما بين 8.8 و10.4 نقاط مئوية، مع احتمال انزلاق ما بين 3.5 و4.1 ملايين شخص إضافي إلى الفقر، في بلد يعاني أصلًا من نسب فقر مرتفعة.
كما سجّل الريال الإيراني تراجعًا قياسيًا ليصل إلى نحو 1,810,000 ريال مقابل الدولار، وسط تضخم سنوي بلغ 65.8%، في مشهد يعكس تآكل الثقة بالاقتصاد، وتحول الأجور إلى قيمة تتآكل سريعًا أمام موجات الغلاء.
وفي هذا السياق، اعتبر عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مهدي عقبائي أن ما تشهده إيران هو نتيجة تراكمات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي فاقمتها الحرب والإنفاق العسكري، على حساب الأوضاع المعيشية للمواطنين.
ميدانيًا، لم تقتصر الخسائر على المؤشرات المالية، بل طالت البنية التحتية، حيث تعرضت منشآت صناعية ومحطات كهرباء وسكك حديد ومطارات وجسور لأضرار كبيرة، ما أدى إلى تعطّل سلاسل الإنتاج وفقدان آلاف الوظائف، في وقت ارتفعت فيه الأسعار بنسب وصلت في بعض الحالات إلى 40%.
أما على مستوى العلاقات الإقليمية، فقد أدت التطورات إلى تعميق العزلة، خصوصًا مع دول الخليج، حيث أشارت مصادر إلى نشوء “فجوة ثقة” واسعة نتيجة الهجمات، ما يهدد قنوات التعاون الاقتصادي التي كانت تشكّل متنفسًا لطهران.
في المقابل، يرى مراقبون أن الحرس الثوري خرج من الحرب وهو يسعى لتعويض ما اعتبره تراجعًا في صورته، عبر تشديد قبضته على القرار السياسي ورفع سقف المواقف، في إطار ما يوصف بإدارة “أزمة بقاء” للنظام.
وتؤكد الخبيرة الأميركية في الشؤون الاستراتيجية إيرينا تسوكرمان أن طهران تركز حاليًا على الحفاظ على موقعها دون تقديم تنازلات واضحة، حتى لو جاء ذلك على حساب الأوضاع الداخلية، ما يفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد وتزايد الضغوط الاجتماعية.
وبينما تتقاطع هذه العوامل، تبدو إيران أمام مشهد داخلي معقد، حيث يتقدّم هاجس بقاء النظام على حساب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، ما يعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
وفي المحصلة، يرى مراقبون أن إيران لم تتأثر فقط بما أصاب بنيتها التحتية، بل بما أصاب آلية اتخاذ القرار نفسها، حيث تحوّل الصراع داخل السلطة إلى عامل إضافي يفاقم الأزمة، في وقت يدفع فيه المواطن الكلفة الأكبر.



