المراسل: كتابات
بقلم القاضي/ علي يحيى عبدالمغني
أمين عام مجلس الشورى
سورة البقرة هي أطول سورة في الكريم، وتسميتها بهذا الاسم من قبل الله عز وجل له دلالة هامة، وفيها تحذير للمسلمين من أن يقعوا فيما وقع فيه بنو اسرائيل، وتصبح البقرة اهم قضية لدينا، وهناك في هذه السورة المباركة الكثير من الدروس والقصص والعبر التي تزيد الأمة هدى ونورا ووعيا وبصيرة، من هذه الدروس العظيمة ما ذكره الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه في الدرس الرابع من دروس رمضان حول قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)، حيث نتعلم من هذه الآيات المباركة التي تناولت هذه القصة الدروس الاتية:
الدرس الأول: أن الناس حينما يبتعدون عن هدى الله يصبحون بقرا فعلا، وتتشابه عليهم أبسط الأمور (إن البقر تشابه علينا)، وما اكثر المسلمين الذين تتشابه عليهم الأمور اليوم، الذين يقولون لم نعد نعرف اين الحق؟، ومع من الحق؟، ومسلم يقتل مسلم؟، مع ان الحق واضح لا لبس فيه لو أنهم فعلا أرادوا الوصول اليه، وكان هذا الموضوع يهمهم فعلا .
الدرس الثاني: هو قدرة بني اسرائيل على إعداد المؤامرات والخطط المحكمة للنيل من البشرية، فهذه القصة تتحدث عن شخص من بني إسرائيل دبر خطة محكمة لاغتيال شخص آخر، وقام بتنفيذها في ظروف غامضة دون أن يتمكن أحد من معرفته، وصار كل واحد فيهم يتهم الأخر (واذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها)، فهم أهل خبرة في إعداد الخطط والمؤامرات الخطيرة، وحينما أغفل المسلمون هذه الحقيقة القرآنية وقعوا أكبر ضحية للمؤامرات والمخططات الصهيوأمريكية .
الدرس الثالث: أن الباطل لا يمكن أن يلبس قميص الحق بنسبة مائة بالمئة، فالله سبحانه وتعالى قد تكفل بفضح مخططات ومؤامرات بني اسرائيل الى قيام الساعة(والله مخرج ما كنتم تكتمون)، وبطريقة سهلة وبسيطة لها علاقة بهذه الخطط والمؤامرات واحيانا من داخلها، وكان الله سبحانه وتعالى قادرا أن ينزل اية على موسى يخبره بالقاتل منهم بطريقة مباشرة، لكنه عز وجل أراد أن يمكن عباده المؤمنين من كشف هذه المخططات والمؤامرات بأنفسهم، لأن مؤامرات ومخططات بني اسرائيل لن تتوقف، والأنبياء عليهم السلام لن يكونوا إلى جانبهم باستمرار، فأمرهم أن يضربوا القتيل بأجزاء من البقرة بعد ذبحها وسوف ينهض ويخبرهم هو بقاتله،(فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى)، اليوم تكاد تكون مخططات ومؤامرات اليهود والنصارى ضد العرب والمسلمين واضحة ومكشوفة، إلا أن العرب والمسلمين للأسف لم يعدوا يستخدمون عقولهم نهائيا، ولم يعودوا يميزون عدوهم من صديقهم، فضاعت عليهم فلسطين، وتدمرت ليبيا وسوريا ولبنان والسودان والعراق واليمن، ولا تزال المخططات والمؤامرات الصهيوأمريكية ضدهم مستمرة، ومن يفكر من أبناء هذه الأمة، ويكشف مخططات الأمريكان والصهاينة، ويتحرك بنفسه وماله وولده ووالده إلى مواجهتهم يتصدى له غالبية العرب والمسلمين انفسهم قبل غيرهم، وما تفعله اغلب الأنظمة العربية والإسلامية بحق محور الجهاد والمقاومة شاهد على ذلك، بل هذا ما تفعله بعض الأنظمة العربية بحق أولياء الله الذين يدافعون شعبها ووطنها واستقلالها وسيادتها، وما ترتكبه السلطة اللبنانية بحق المقاومة الاسلامية في لبنان مثال على ذلك .
الدرس الرابع: أن الناس الذين لا ينفذون التوجيهات البسيطة المطلوبة منهم في البداية يضطرون فيما بعد إلى تنفيذ ما هو أصعب منها بأضعاف مضاعفة، فالبقرة المطلوبة من بني اسرائيل في البداية كانت بقرة عادية، ولم تصبح نادرة وباهظة الثمن إلا عندما ترددوا وتعنتوا في تنفيذ التوجيهات السابقة، وهذه العقوبة تكاد تكون سنة إلهية، فالمخلفون من الأعراب الذين خافوا على أنفسهم في غزوة بدر، ولم يخرجوا مع رسول الله لقتال أناس أمثالهم في القوة نزل فيهم بعدها قول الله (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم او يسلمون وأن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا شديدا) .
الدرس الخامس: أن الناس الذين لا يعطون القضايا والمواقف الكبيرة والعظيمة أهمية خاصة في حياتهم ينشغلون بعدها بامور وقضايا صغيرة وهامشية وأشياء بديهية تافهة، ويعتبرون أنفسهم أذكياء وعباقرة (قالوا الان جئت بالحق)، مع أن موسى عليه السلام جاء بالحق من البداية، وقال لهم بصورة واضحة (إن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة)، فلم ينفذوا التوجيه الإلهي مباشرة، وصاروا يبحثون عن لون البقرة وشكلها وسنها ووظيفتها، مع ان هذه التفاصيل لم تكن مطلوبة، ولا علاقة بالنتيجة التي ستحققها، ولذلك نهى الله الصحابة عن توجيه مثل هذه الاسئلة لرسول الله صلوات الله عليه وعلى اله، فقال لهم (يا ايها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، هذا النهي جاء بعد كثير من الاسئلة التي ما كان ينبغي أن يوجههوا لرسول الله، ومنها (ويسألونك عن الهلال) (ويسألونك عن الأنفال)(ويسألونك عن الخمر والميسر) (ويسألونك عن المحيض) (ويسألونك عن اليتامى)، ولو انهم سألوا أعرابيا في الصحراء عن هذه الأشياء لأجابهم عنها بنفس الإجابة التي أجابهم عليها القران الكريم، لأن هذه الأسئلة بديهية ومعروفة للناس بالفطرة، وسؤال رجل عظيم عنها وانتظار وحي من السماء بها في ظروف استثنائية يعبر عن فقدان الوعي والحكمة، والاستخفاف بالهدى والقيادة .
الدرس السادس: أن الناس الذين يعرضون عن هدى الله تنحط نفسياتهم ومشاعرهم، وتفسد قلوبهم وعقولهم، فيتعاملون مع الله وملائكته وكتبه ورسله باستخفاف وسخرية (أتتخذنا هزوا)، لم يتعاملوا مع موسى عليه السلام على أنه رسول بعثه الله لهديتهم، وإنما تعاملوا معه كموظف بسيط عندهم، ومراسل بينهم وبين الله (قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ماهي)، بل تعاملوا مع الله سبحانه وتعالى على أنه طرف وهم طرف يتفاوضون معه حول البقرة، ولم يتعاملوا معه على أنه سبحانه وتعالى ربهم وانه يريد هدايتهم واحراجهم من المصيبة التي وقعوا فيها (ادع لنا ربك)، وكأنه ليس ربهم ولا يعترفون به عز وجل عما يقولون علوا كبيرا، وهناك الكثير من القصص والدروس والعبر التي تحدث عنها الشهيد القائد رضوان الله عليه والتي نحن في أمس حاجة إليها لتصحيح علاقتنا بالله، وطريقة تعاملنا مع القران وأعلام الهدى عليهم السلام، حتى ندرك نعمة الهداية والقيادة، ونكون على بينة في كافة شؤونا وأمورنا .
صنعاء- الاثنين- 11 5 2026م .




