الردع الإيراني يضع أمريكا أمام تآكل مفتوح سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.. كلفة استراتيجية تهدد “الهيمنة”

 

 

المراسل : متابعات

 

دخلت الولايات المتحدة مرحلة غير مسبوقة من الارتباك الاقتصادي والسياسي والعسكري، مع اتساع تداعيات العدوان على إيران وتحول معادلات الردع التي فرضتها طهران إلى عامل ضغط مباشر على الداخل الأمريكي، بعدما امتدت آثار الحرب من ميادين الاشتباك إلى أسواق الوقود، وسلاسل الإمداد، والقدرة الشرائية للأسر الأمريكية، وصولاً إلى البنية الاستراتيجية للطاقة والتسليح.

وعلى الرغم من التهدئة الحاصلة نسبياً، بدأت المؤشرات الاقتصادية الأمريكية تسجل مستويات مقلقة، عكست حجم المأزق الذي تعيشه واشنطن نتيجة فشلها في حسم المواجهة عسكرياً، مقابل تصاعد الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحرب، في ظل تحذيرات متزايدة من دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة إنهاك طويلة الأمد.

وتكشف الأرقام الأمريكية المتلاحقة أن الحرب التي خاضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران تجاوزت الاستنزاف العسكري لتشكل تأثيرات الردع الإيراني مأزقاً اقتصادياً وسياسياً داخلياً يتسع يوماً بعد آخر، بعدما نجحت طهران عبر معادلة الردع والطاقة في نقل المواجهة إلى قلب الاقتصاد الأمريكي، وضرب أكثر الملفات حساسية بالنسبة لواشنطن: الوقود والتضخم والمعيشة والاستقرار السياسي.

وانتقلت الولايات المتحدة من محاولة فرض الضغط العسكري على إيران إلى مواجهة موجة تضخم هي الأعلى منذ ثلاث سنوات، بعدما أدى اضطراب سوق الطاقة وارتفاع أسعار النفط والوقود إلى انفجار تكاليف النقل والغذاء والخدمات داخل أكبر اقتصاد في العالم.

الأرقام التي نشرتها وسائل الإعلام والمؤسسات الأمريكية تعكس بوضوح أن انعكاسات المغامرات أصبحت تضرب المواطن الأمريكي مباشرة، فالتضخم قفز إلى 3.8% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات، بعدما كان عند 2.4% فقط في فبراير، بينما تجاوزت الأسعار نمو الأجور للمرة الأولى منذ عام 2023، في إشارة خطيرة إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع أزمة المعيشة داخل الولايات المتحدة.

وتكشف هذه المؤشرات أن معادلة الردع الإيرانية – إلى جانب تبديد الهيمنة الأمريكية العسكرية في المنطقة – استهدفت نقطة الضعف في الاقتصاد الأمريكي والمتمثلة في الطاقة، فواشنطن التي تقود الاقتصاد العالمي تعتمد بصورة أساسية على استقرار تدفقات النفط وأسعار الوقود، وأي اضطراب واسع في هذا الملف يتحول سريعاً إلى أزمة تضخم وسلاسل إمداد وضغط شعبي وسياسي داخلي.

ولهذا فإن ارتفاع أسعار البنزين والديزل تحول إلى عامل ضغط استراتيجي على البيت الأبيض، فأسعار الوقود ارتفعت بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب، ليصل غالون البنزين إلى 4.50 دولار، بينما قفز الديزل إلى 5.64 دولار، وهو وقود يمثل العمود الفقري للصناعة والنقل الأمريكي.

وكشفت التقديرات الاقتصادية أن الأمريكيين أنفقوا ما يقارب 35 مليار دولار إضافية على الوقود خلال فترة قصيرة منذ اندلاع المواجهة، فيما أكدت تحليلات أمريكية أن أي إعفاء ضريبي على الوقود لن يكون كافياً لتعويض الخسائر التي تكبدها المواطن الأمريكي نتيجة تداعيات الحرب.

وفي مؤشر على عمق الأزمة، بدأت الأسر الأمريكية محدودة الدخل بتقليص استهلاك الوقود واللجوء إلى النقل الجماعي ومشاركة السيارات.

ومع انتقال ارتفاع الطاقة إلى بقية القطاعات، بدأت آثار الحرب تظهر بصورة مباشرة في أسعار الغذاء والبقالة والطيران والخدمات، حتى وصفت كبيرة الاقتصاديين في “كيه بي إم جي” ما يحدث بأنه “صدمة طويلة الأمد” تضرب سلاسل الإمداد على غرار اضطرابات جائحة كورونا.

وتؤكد هذه التطورات أن الولايات المتحدة دخلت فعلياً في حلقة استنزاف داخلي، لأن كل ارتفاع في أسعار الطاقة يعني تلقائياً ارتفاعاً في تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، وبالتالي توسع التضخم وتراجع القوة الشرائية وزيادة الغضب الشعبي.

ولهذا بدأت الأزمة تتحول بسرعة إلى عبء سياسي على ترامب، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الرافضين لطريقة تعامله مع التضخم وأزمة المعيشة إلى 58%، في وقت اضطرت فيه الإدارة الأمريكية إلى طرح فكرة تعليق الضرائب الفيدرالية على الوقود كمحاولة عاجلة لاحتواء الغضب الداخلي، لكن اللافت أن التقارير الأمريكية نفسها تؤكد أن هذه الإجراءات لن تعالج أصل الأزمة.

وفي البعد العسكري، تكشف الأرقام أن الحرب تحولت كذلك إلى استنزاف مباشر للترسانة الأمريكية. فالبنتاغون أقر بتكاليف أولية بلغت 25 مليار دولار، مع استهلاك واسع لصواريخ ومنظومات دفاعية باهظة الثمن مثل “توماهوك” و”ثاد” و”باتريوت” و”إس إم-3”، في وقت تحتاج فيه الصناعات العسكرية الأمريكية إلى سنوات لتعويض هذا النزيف.

وهنا تتجلى خطورة المأزق الأمريكي؛ إذ إن واشنطن تخوض حرباً مكلفة اقتصادياً وعسكرياً في لحظة تعاني فيها أساساً من تضخم مرتفع وديون ضخمة وأزمة معيشية داخلية، ما يعني أن عودة التصعيد تهدد بتحويل الضغط الخارجي إلى انفجار داخلي سياسي واقتصادي، وهي اعتبارات قيّدت العربدة الأمريكية، وجعلت الولايات المتحدة تتأرجح بين الضغوط الصهيونية والضغوط الداخلية.

كما أن تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة أعادا إلى الواجهة هشاشة الاقتصاد الأمريكي أمام أي اضطراب واسع في الممرات البحرية وأسواق النفط، وهو ما جعل إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه يتحول إلى كابوس حقيقي داخل واشنطن والأسواق الأمريكية.

وتشير مجمل هذه المعطيات إلى أن الردع الإيراني تجاوز البعد العسكري المباشر، ونجح في فرض معادلة استنزاف شاملة تتآكل فيها الهيمنة الأمريكية تدريجياً تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والعسكرية والسياسية المتلاحقة، بينما تتعاظم كلفة الحرب على الداخل الأمريكي بصورة غير مسبوقة.

الأقسام: الاخبار,المراسل العالمي,اهم الاخبار