المراسل : متابعات
تشهد الساحة اللبنانية حالة من الغليان السياسي والشعبي المتصاعد، على خلفية توقيع الحكومة اتفاقاً مباشراً مع الكيان الصهيوني تحت مسمى “الاتفاق الإطاري” الموقع في واشنطن برعاية أمريكية.
وفي السياق، أبدت جبهة وطنية عريضة تضم قوى سياسية ونقابية وحقوقية ومدنية موقفاً موحداً يندد بالاتفاق، ويعتبره مساساً مباشراً بالسيادة اللبنانية وانحرافاً عن الدستور ومبادئ اتفاق الطائف.
وتتسع دائرة الاعتراض لتشمل أطرافاً سياسية ونقابية بارزة، من بينها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والجماعة الإسلامية وتيار المردة والحزب السوري القومي الاجتماعي، إضافة إلى “اتحاد الوفاء لنقابات العمال”، حيث عبّرت هذه القوى عن رفضها الحازم للبند المتعلق بربط انسحاب قوات الاحتلال بنزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها العسكرية.
وترى هذه الجهات أن هذا الشرط يشكل محاولة لفرض وقائع سياسية وأمنية لم يتمكن الاحتلال من تحقيقها عسكرياً، معتبرة أنه يمنح الكيان الإسرائيلي مكاسب استراتيجية على حساب السيادة اللبنانية، ويحوّل مسار الاتفاق إلى أداة ضغط داخلية تمس التوازنات الوطنية، مع تحذيرات من إعادة إنتاج صيغ اتفاقات سابقة اعتُبرت مجحفة بحق لبنان.
وفي موازاة هذا الرفض العارم لإملاءات واشنطن والكيان، يتجلى ائتلاف وتماسك شعبي متين يلتف حول خيار المقاومة اللبنانية باعتبارها الضمانة الردعية الوحيدة لحماية ثروات البلاد وحدودها المعترف بها دولياً.
في السياق، يصف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الاتفاق بأنه “اتفاق مذلّ ومشين وباطل ومرفوض ومنعدم الوجود”، مؤكداً رفض الحزب الكامل لمضمونه وتداعياته.
ويشدد قاسم على أن ربط انسحاب قوات العدو الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية يشكل تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، معتبراً أن هذا الشرط يحوّل لبنان إلى رهينة بيد الاحتلال الإسرائيلي ويقوّض جوهر السيادة الوطنية.
ويؤكد أن القبول بهذه الصيغة يمثل تراجعاً خطيراً عن السيادة الوطنية وتنازلاً مجانياً لمصلحة الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، داعياً الدولة اللبنانية إلى التراجع الفوري عن الاتفاق.
ويشدد على أن المقاومة الإسلامية لن تغادر الميدان ولن تتخلى عن مسؤولياتها الوطنية، مؤكداً استمرارها حتى تحرير كامل الأراضي اللبنانية.
بدوره، يؤكد رئيس الهيئة التنفيذية في حركة “أمل” مصطفى الفوعاني أن المرحلة الراهنة تتطلب وحدة لبنانية في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، محذراً من محاولات الاحتلال لإثارة الانقسام الداخلي.
ويشدد على رفض أي مفاوضات مباشرة مع الاحتلال، معتبراً أن الاتفاق المطروح غير متوازن ويمنح الاحتلال مكاسب على حساب الحقوق الوطنية اللبنانية، وينطوي على مخاطر سياسية وسيادية.
وينوه إلى أن حركة أمل تتمسك بالانسحاب الكامل وغير المشروط من الأراضي اللبنانية المحتلة، وضرورة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، إلى جانب ضمان عودة الأهالي وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، داعياً إلى استمرار المفاوضات غير المباشرة لمعالجة الملفات العالقة، ولا سيما ترسيم الحدود وتحرير الأسرى، مع الالتزام بالآليات الدولية ذات الصلة.
من جهته، أدان الأمين العام للتجمع العالمي لدعم خيار المقاومة يحيى غدّار توقيع الاتفاق، معتبراً أنه يخدم أهداف الاحتلال الإسرائيلي ويمنحه غطاءً سياسياً لاستمرار العدوان على لبنان.
واتهم غدّار بعض أركان السلطة باتخاذ قرارات تتجاوز الدستور والقوانين اللبنانية، وتوفر غطاءً للعدوان، محذراً من أن هذا المسار يقود إلى تهديد وحدة البلاد وفتح الباب أمام الفتنة.
واعتبر غدّار الاتفاق تفريطاً بالسيادة الوطنية ويستوجب تحركاً سياسياً وشعبياً لمساءلة الجهات المعنية، داعياً إلى حماية الدولة ومؤسساتها من الانهيار والانقسام.
فشل ميداني يدفع الاحتلال للداخل
وتشير التقديرات إلى أن قوات العدو الإسرائيلي تسعى من خلال توقيع الاتفاق مع الحكومة اللبنانية إلى إعادة توجيه مسار المواجهة نحو الداخل اللبناني، بعد عجزها عن تحقيق اختراقات ميدانية ملموسة خلال المواجهات الأخيرة مع المقاومة اللبنانية، والتي قادها حزب الله وأدت إلى إلحاق خسائر متكررة بصفوفها.
وحول هذا الشأن، يرى المحلل السياسي حسن حردان أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى، عبر هذا الاتفاق، إلى نقل المواجهة من مسارها مع لبنان إلى داخل الساحة اللبنانية، بهدف تحويل الصراع إلى نزاع داخلي، وهو ما يشكل، وفق رأيه، خطراً على الاستقرار الداخلي.
ويضيف في حديث خاص لقناة المسيرة: “الاتفاق يمنح الاحتلال مكاسب مزدوجة، أبرزها تكريس بقائه وربط أي انسحاب بشروط تتعلق بسلاح المقاومة، إضافة إلى توفير غطاء سياسي لاستمرار الاعتداءات، مع تحميل المقاومة مسؤولية بقاء الوضع القائم”.
ويشير إلى أن الاحتلال يحاول فرض معادلة جديدة تقوم على اختبار قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ شروط أمنية مرتبطة بنزع سلاح المقاومة في مناطق محددة، مع الإبقاء على سيطرته في مناطق أخرى، معتبراً أن ذلك يمنحه حق تقييم نجاح أو فشل التنفيذ واتخاذ قرارات لاحقة بناءً عليه.
ويصف هذا المسار بأنه “انقلاب على التفاهمات السابقة”، ومحاولة أمريكية صهيونية لفرض إملاءات سياسية وأمنية على لبنان، بما يهدد السيادة الوطنية ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك.




