المراسل: كتابات
ناصر قنديل
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، يلتقي الخطابان الأميركي والإيراني عند نقطة واحدة، التأكيد أن الاتفاق بات وشيكاً. فبعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن التفاهم مع إيران أصبح قريباً وأن القضايا الكبرى حُسمت، جاء تصريح نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي ليؤكد أن الاتفاق بات جاهزاً عملياً وأن ما تبقى يقتصر على ترتيبات التنفيذ وآلياته. وهذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها واشنطن وطهران بلغة متقاربة إلى هذا الحد حول مصير المفاوضات، بعدما أمضى الطرفان أشهراً من الحرب والضغوط المتبادلة والرسائل المتناقضة.
لا تكمن أهمية هذا التطور في اقتراب التوصل إلى اتفاق فقط ، بل في أنه يتيح للمرة الأولى إجراء مقارنة موضوعية بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول. فالحروب تُقاس بنتائجها لا بشعاراتها، والتفاوض يُقاس بما يحققه لا بما يُعلن عنه. ولذلك تبدو العودة إلى المواقف المعلنة للطرفين عشية الحرب وخلال أيامها الأولى مدخلاً ضرورياً لفهم ما إذا كان الاتفاق المرتقب يمثل انتصاراً لأحد الطرفين أو تسوية وسطية فرضتها موازين القوى.
عندما ذهبت إدارة ترامب إلى الحرب، كانت تتحدث عن أهداف تتجاوز مجرد منع إيران من امتلاك سلاح نووي. فقد رفع ترامب بنفسه سقف المطالب إلى حد الدعوة إلى التخلي الكامل عن التخصيب، وتفكيك البرنامج النووي الإيراني، والتعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب بوصفه حقا مكتسبا لواشنطن على إيران تسليمه. كما كانت واشنطن تتحدث عن تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني إلى حد عدم امتلاك صواريخ بمدى يتعدى 300 كلم، وبالتوازي مطالبة إيران بإنهاء علاقتها بقوى المقاومة في المنطقة.
في المقابل، تمسكت إيران منذ جولات جنيف ومسقط وحتى اندلاع الحرب بثوابت واضحة: الحفاظ على حق التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، ورفض تفكيك المنشآت النووية، ورفض إدراج البرنامج الصاروخي أو العلاقات مع حلفائها ضمن أي تفاوض، مقابل الاستعداد لقبول رقابة دولية مشددة وتقديم ضمانات تؤكد أن برنامجها النووي ليس موجهاً لإنتاج سلاح نووي.
عند مقارنة هذه المواقف بما يتسرب عن الاتفاق المرتقب، تبدأ جردة الأرباح والخسائر بالظهور بوضوح. فالسؤال لم يعد ما الذي كان يريده كل طرف عند بداية الحرب، بل ما الذي بقي من تلك الأهداف بعد الحرب، وما الذي نجح كل طرف في حمايته أو انتزاعه على طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم كيف تنظر واشنطن وطهران إلى الاتفاق، ولماذا يبدو الجدل أكثر حدة في إسرائيل، حيث يتحول الاتفاق نفسه إلى امتحان سياسي وشخصي لمستقبل بنيامين نتنياهو.
المقارنة بين موقفي الطرفين قبل الحرب وما يتسرب عن الاتفاق اليوم لا تكفي وحدها لفهم الصورة الكاملة. لأن الحرب نفسها أدخلت عناصر جديدة إلى التفاوض لم تكن مطروحة على الطاولة قبل اندلاعها. وفي مقدمة هذه العناصر برز مضيق هرمز الذي تحول من ممر دولي مفتوح إلى ورقة سيادية واستراتيجية فرضتها إيران على جدول الأعمال الدولي، بحيث بات أي اتفاق يتضمن بصورة أو بأخرى معالجة لمسألة الملاحة في المضيق ودور إيران في أمنه وإدارته. كما دخل الملف اللبناني إلى قلب التفاوض بعدما ربطت طهران بين مسار الاتفاق وبين وقف الحرب الإسرائيلية، واعتبرت أن أي تسوية لا يمكن أن تنفصل عن إنهاء الحرب في لبنان وغزة وما نتج عنها من وقائع إقليمية جديدة.
وعند الانتقال إلى ما يتسرب عن بنود الاتفاق، تبدو الفجوة واسعة بين الأهداف التي أعلنتها واشنطن في بداية الحرب وبين النتائج التي يجري الحديث عنها اليوم. فبدلاً من تفكيك البرنامج النووي الإيراني، تتحدث التسريبات عن موافقة أميركية على بقاء مخزون اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران ومعالجته فوق الأراضي الإيرانية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبدلاً من إنهاء التخصيب بصورة نهائية، يجري الحديث عن تثبيت حق إيران في التخصيب مقابل تعليق أو تجميد بعض الأنشطة لفترة تتراوح بين عشر وعشرين سنة. كما لا تتحدث التسريبات عن إقفال كامل للمنشآت النووية، بل عن الإبقاء على عدد منها وفق ترتيبات يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.
وفي الملفات التي كانت تشكل جوهر المطالب الأميركية والإسرائيلية، لا مكان لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ضمن الاتفاق، كما لا يظهر أي بحث مباشر في علاقة إيران بقوى المقاومة في المنطقة أو في بنيتها التحالفية الإقليمية. بل يتضمن الاتفاق ضمانة لوقف الحرب على حزب الله الحليف الأبرز لإيران في لبنان، وفي المقابل تتضمن التسريبات مساراً لتحرير الأصول الإيرانية المجمدة، ورفعاً فورياً للعقوبات المرتبطة بتصدير النفط الإيراني، مع برمجة رفع بقية العقوبات بالتناسب والتزامن مع تنفيذ مراحل التفاهم النووي الذي يفترض أن يبرم لاحقاً بصورة نهائية.
أما في الجانب الإقليمي، فتشير المعطيات المتداولة إلى أن الهدف الفوري للاتفاق هو تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى إطار مستدام يشمل لبنان، على أن يشكل الاتفاق النهائي مدخلاً للانتقال من مرحلة وقف النار إلى مرحلة إنهاء الحرب. وفي هذا السياق يجري الحديث عن مسار موازٍ يتضمن برمجة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة ضمن صيغة إقليمية أوسع، تسير بالتوازي مع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية، بما يجعل الملف اللبناني أحد النتائج المباشرة للتحولات التي فرضتها الحرب على جدول أعمال التفاوض الأميركي الإيراني.
إذا كانت جردة الأرباح والخسائر تبدأ من مقارنة الأهداف بالنتائج، فإن خروج أمريكا خاسرة من الحرب لا يلغي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سوف يستطيع الادعاء بأنه حقق مكسباً سياسياً واقتصادياً مهماً يتمثل بالتخلص من عبء حرب أخذت تتحول إلى مصدر استنزاف داخلي وخارجي. فاستطلاعات الرأي الأميركية التي أظهرت أن أكثر من ثلثي الأميركيين يؤيدون إنهاء الحرب توفر لترامب أرضية مناسبة لتسويق الاتفاق بوصفه نجاحاً في إنهاء نزاع مكلف دون الانجرار إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد. ويضاف إلى ذلك ما يتوقعه من انعكاسات اقتصادية إيجابية تتمثل بانخفاض أسعار النفط وعودة الاستقرار إلى الأسواق وارتفاع أسعار الأسهم، وهي عوامل يحتاج إليها بشدة في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية الداخلية.
أما إيران، فإن أرباحها تبدو أعمق وأوضح وأعمق الى حد يسمح بوصفها بالانتصارات الاستراتيجية. فهي لا تخرج فقط محافظة على ثوابتها الرئيسية في الملف النووي والصاروخي والإقليمي، بل تخرج أيضاً بصورة قوة إقليمية كبرى وقوة دولية مؤثرة نجحت في فرض نفسها شريكاً إلزامياً في رسم معادلات الأمن والطاقة والتجارة العالمية. وقد تحول مضيق هرمز خلال الحرب إلى مصدر قوة استراتيجية أثبتت طهران أنها قادرة على تفعيله متى شاءت، وأن أمن الملاحة والطاقة في العالم لم يعد ممكناً بحثه بمعزل عن دورها ومصالحها.
لكن التحول الأهم قد يكون في صورة الإقليم نفسه. لأن المشهد الذي سبق الحرب كان يقوم على اندفاعة اتفاقات أبراهام وعلى تصاعد الحديث عن شرق أوسط جديد تتراجع فيه مكانة إيران وتتقدم فيه إسرائيل بوصفها الشريك الأمني الأول للولايات المتحدة وحلفائها. أما المشهد الذي يتشكل بعد الحرب والاتفاق فيبدو مختلفاً بصورة جوهرية. فالعلاقة الأميركية الإيرانية انتقلت من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التفاهم وإدارة المصالح، وعادت إلى الواجهة أسئلة لم تكن مطروحة سابقاً حول مستقبل الانتشار العسكري الأميركي والقواعد الأميركية في المنطقة، وحول التوازن الحقيقي للقوة بين إيران وإسرائيل.
وفي هذا السياق تحديداً تبدو إسرائيل الخاسر الاستراتيجي الأكبر. فالحرب التي كان يفترض أن تسقط النظام الاسلامي في ايران او تفرض عليه الاستسلام، وبالحد الأدنى تنتهي بتفكيك البرنامج النووي الإيراني و تقليص الدور الإقليمي لطهران، انتهت إلى تثبيت إيران لاعباً رئيسياً في معادلات المنطقة. والاتفاق الذي كان يفترض أن يعزل إيران انتهى إلى الاعتراف بدورها وشراكتها في إنتاج التوازنات الجديدة. كما أن صورة إسرائيل باعتبارها قوة قادرة على توفير الحماية لحلفائها تلقت ضربة قاسية بعدما ظهرت عاجزة عن حماية نفسها من دون تدخل أميركي مباشر، وعاجزة عن فرض شروطها السياسية والعسكرية رغم أشهر من الحرب.
تتجسد الخسائر الإسرائيلية في عدة مستويات متداخلة: أولها بقاء البرنامج النووي الإيراني وعدم تحقيق هدف تفكيكه. وثانيها بقاء البرنامج الصاروخي الإيراني خارج أي قيود جوهرية. وثالثها استمرار العلاقة بين إيران وقوى المقاومة دون مساس. ورابعها تحول الملف اللبناني من مدخل لنزع سلاح المقاومة إلى مسار تفاوضي يتناول الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء الحرب. وخامسها عودة القضية الفلسطينية وقوى المقاومة إلى صدارة المشهد الإقليمي بعدما كان الرهان على تهميشها عبر مسار التطبيع. أما الخسارة الأعمق فتتمثل في اهتزاز الفكرة التي قامت عليها اتفاقات أبراهام نفسها، أي فكرة أن إسرائيل هي مركز القوة والاستقرار في المنطقة، بينما تشير نتائج الحرب والاتفاق إلى أن أي نظام إقليمي جديد سوف يضطر إلى أخذ مكانة إيران ودورها ومصالحها في الاعتبار، تماماً كما يأخذ مكانة الولايات المتحدة نفسها، على حساب مكانة كان يتوق إليها بنيامين نتنياهو لحساب إسرائيل




