المراسل: متابعات
في تحولٍ استراتيجي يؤسس لمرحلةٍ جديدة من الردع العسكري والاقتصادي، دخلت المنطقة منعطفًا شديد الحساسية إثر إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر شامل على الملاحة البحرية للعدو السعودي، إيذانًا بتدشين معادلة “الحصار بالحصار” ودخولها حيز التنفيذ الفوري عصر الاثنين 20 مايو الجاري.
ويُعـد هذا التطور الدراماتيكي قراءة يمنية واعية لمعطيات الصراع، وخروج مدروس من حالة “اللا سلم واللا حرب” التي حاول النظام السعودي مأسستها طيلة السنوات الأربع الماضية منذ هدنة عام 2022م، كما أن التحليل المتعمق لخلفيات هذا القرار يُشير بوضوح إلى أن القيادة اختارت التوقيت المناسب لحماية مصالح الشعب اليمني العليا، ووضع حدٍّ لسياسة المماطلة التي انتهجتها الرياض مستغلة عامل الوقت للهروب من استحقاقات السلام والالتزامات الإنسانية والاقتصادية المترتبة على عدوانها الذي يقترب من دخول عامه الـ 12.
ويكشف قرار الحظر البحري على ملاحة العدو السعودي أن اليمن، بطبقتيه السياسية والعسكرية ومستندًا إلى تفويضٍ شعبي مليوني غير مسبوق، أدرك أن استمرار الصمت على خنق موانئه ومطاراته يعد قبولًا بوفاة سريرية للاقتصاد اليمني وتعميقًا لمعاناة المواطن التي وصلت إلى مستوى لا يمكن تحمله.
وبالتالي جاء البيان العسكري ليسد الثغرات التي حاول النظام السعودي المناورة عبرها، حيث أكّدت القوات المسلحة على الحق الطبيعي والمشروع في مواجهة “الحصار بالحصار والتصعيد الشامل بالتصعيد الشامل”، وهذا الربط المحكم بين الحق الإنساني والقوة العسكرية يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية المصلحة الوطنية، وتثبيت قاعدة ردع تمنع الرياض من استخدام ملفات معيشة المواطنين اليمنيين كأوراق ضغط سياسي في المفاوضات.
ويبدو واضحًا من لغة البيان الصارمة أن القوات المسلحة قد أعدّت جهوزيتها الكاملة لكافة الخيارات والسيناريوهات، متوعدةً بحسم أيّة حماقةٍ قد يُقدم عليها النظام السعودي برد فادحٍ وقاسٍ لا يقتصر على الدفاع، بل يمتد إلى تصعيد يطال مفاصل حيوية.
وما بين سطور الموقف العسكري اليمني، تبرز المواقف السياسية التي قدمها الرئيس مهدي محمد المشاط، التي تؤكّد أنه ليس من حق أحد في هذه الدنيا أن يشرعن حالة الحصار الظالم من قبل نظام آل سعود على الشعب اليمني، وأن أيّ بيانات ستصدر لشرعنة الحصار وإدانة موقف اليمن تصاغ بصيغةٍ واحدة، ومن غرفة واحدة وهي “مدفوعة الثمن”، على من يتبنى هذه الإدانات أن يطلب من نظام آل سعود وضع الإجراءات التي على اليمن على بلده.
بدوره، وضع رئيس الوفد المفاوض محمد عبد السلام، النقاط على الحروف وكشف العوائق الحقيقية التي تعترض طريق الحل الشامل، وشكّلت التصريحات السياسية غطاءً تحليليًا يشرح للرأي العام المحلي والدولي أن اليمن أُكره على هذه الخطوة إكراهًا بعد أن مُنحت الرياض وقتًا كافيًا وفرصًا متتالية لمعالجة تداعيات عدوانها، لكنها آثرت الرهان الخاسر على إطالة أمد الحصار وتنصلت من مسؤوليتها المباشرة.
التدقيق اليمني الذكي للتحركات السعودية الأخيرة، وتحديدًا الاستهداف المباشر لمطار صنعاء الدولي والخطاب العسكري السعودي الذي تعامل مع اليمن بغطرسة وكأنه تابع له، مثل نقطة التحول؛ إذ كشف هذا التعنت السعودي، للقاصي والداني، أن الرياض هي المحرك الرئيس لتعطيل المطار والحصار البحري المفروض على ميناء الحديدة، وهو الحصار الذي تسبب في مضاعفة الكلف المادية للسلع المستوردة وإثقال كاهل المواطن اليمني بأسعار باهظة غير مبررة قانونيًا أو إنسانيًا.
وبالتالي؛ فإنّ المصلحة اليمنية تقتضي اليوم الالتفاف حول هذا الموقف الشجاع، لأن المعادلة الجديدة لا تستهدف التصعيد من أجل التصعيد، وإنّما هي واقع يجب على الأطراف الأخرى أن تأخذها على محمل الجد، إلى جانب كونها أداة ضغط مشروعة وأخلاقية لإجبار النظام السعودي على الانصياع للحق والاعتراف بمسؤوليته الكاملة عن الدمار والحصار.
وتتجلى أهداف هذا الموقف العسكري الحازم في انتزاع الرفع الكلي والنهائي للحصار عن المطارات والموانئ اليمنية، وتمكين الشعب من الاستفادة من ثرواته السيادية المنهوبة، وحل الملف الإنساني المعقد وفي مقدمته صرف مرتبات الموظفين من عائدات ثرواتهم، بالإضافة إلى الإغلاق الفوري لملف الأسرى دون مماطلة.
وبالنتيجة؛ فإنّ الدعوة الموجهة لأبناء الشعب اليمني لمواصلة التعبئة العامة والنفير العام هي صمام الأمان لإسناد الجبهات وحماية هذه المكتسبات السيادية، خاصة بعد أن أثبتت المليونيات الشعبية في “جمعة التحذير” أن القرار يمني خالص ينبع من إرادة شعب يرفض الضيم، وأن زمن الحصار قد ولى إلى غير رجعة، وأن على المعتدي السعودي تحمّل التداعيات كاملةً إذا ما استمر في كبره وحماقته.




