لم تكن تهامة في وجدان الشهيد الدكتور رضوان علي الرباعي مجرد مساحة جغرافية أو قطاعٍ زراعي وسمكي، بل كانت جزءًا أصيلًا من مشروعه الوطني ورؤيته للتنمية. وفي الذكرى الأولى لاستشهاده، تستعيد تهامة شيئًا من أثره الذي تركه في الأرض والمزارع والمهندس والطالب والصياد والتعاوني، من خلال مشاريع ومبادرات وبرامج تنموية حملت ملامح رؤيته، ولا تزال شواهدها حاضرة في الميدان.
تؤكد شهادات عدد من القيادات الزراعية والتعاونية والأكاديمية في محافظة الحديدة أن الشهيد الرباعي ترك بصمة واسعة في مختلف مجالات التنمية التهامية، وأن حضوره الميداني ورؤيته للنهوض بالإنتاج المحلي جعلا منه أحد أبرز الداعمين لمسار الاكتفاء الذاتي وتعزيز دور المجتمع في التنمية.
في مستهل هذا الاستطلاع، يؤكد المهندس فواز العذري، مدير عام الهيئة العامة لتطوير تهامة، أن الهيئة وكوادرها تستذكر المسيرة التنموية للشهيد الدكتور رضوان الرباعي، مشيرًا إلى أنه أسهم في إرساء دعائم نهضة زراعية جسدت توجهات القيادة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وخدمة الأرض والإنسان.
ويوضح العذري أن الشهيد لم يكن مسؤولًا يكتفي بالتقارير والمكاتب، بل كان حاضرًا في الميدان، يتابع أعمال الهيئة وحركة المعدات والمنشآت المائية بصورة مباشرة، ويلتقي المهندسين والمزارعين في مواقع العمل.
ويشير إلى أن نزولات الشهيد المتكررة إلى مواقع المشاريع وتفقده لأحوال المزارعين والكوادر الفنية عكست نموذجًا للمسؤول المرتبط بالميدان، وأسهمت في رفع معنويات العاملين وتحفيزهم على صيانة المنشآت والقنوات والاستفادة من مياه السيول وتعظيم العائد منها.
وفي السياق ذاته، يبين العذري أن مشروع الري الطارئ في تهامة يجسد جانبًا من الأفكار التي تبناها الشهيد، من خلال تنسيق جهود وزارة الزراعة، واللجنة الزراعية والسمكية العليا، والسلطة المحلية بمحافظة الحديدة، ووحدة تمويل المبادرات والمشاريع الزراعية، والهيئة العامة لتطوير تهامة، إلى جانب إشراك الجمعيات والمجتمع المحلي.
ويلفت إلى أن توفير الديزل والمستلزمات التشغيلية للمعدات الثقيلة أسهم في استمرار العمل قبل وأثناء موسم السيول الخريفي لعام 2022م، وهو ما أفضى إلى ري ما يقارب 120 ألف هكتار في أودية مور وسردود وسهام ورماع وزبيد، بزيادة بلغت نحو 60 ألف هكتار عن عام 2020م، ووصول مياه السيول إلى أراضٍ ظلت جافة لعقود.
ويؤكد العذري أن توجيهات الشهيد مثلت نقطة تحول في إعادة الثقة والفاعلية إلى الهيئة العامة لتطوير تهامة، موضحًا أن الرباعي، بالتنسيق مع رئيس مجلس إدارة الهيئة علي قاضي هزاع، عمل على إعادة بناء القدرات الهندسية والفنية وإشراك الكوادر بصورة مباشرة في أعمال المسح والتنفيذ.
كما يشير إلى أن الشهيد شدد على إخراج المعدات الهندسية من حالة الركود وإعادة تأهيلها بعد ما تعرضت له من أضرار جراء العدوان، إلى جانب تخصيص مبالغ بالتعاون مع السلطة المحلية ووحدة التمويل الزراعي لشراء معدات ثقيلة جديدة مملوكة للهيئة، لتكون سندًا مستمرًا للمزارعين في السهل التهامي.
الزهرة.. مشاريع تركت أثرها
وفي مديرية الزهرة، يؤكد قاضي علي هزاع، رئيس جمعية الزهرة التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، أن الشهيد الدكتور رضوان الرباعي كان له دور بارز في متابعة وتنفيذ المشاريع الزراعية والتنموية، موضحًا أن المديرية حظيت باهتمام خاص منه.
ويشير هزاع إلى أن الشهيد حرص على الحضور الميداني ومتابعة مشاريع الري والبنية التحتية، وفي مقدمتها الحاجز التحويلي، وإصلاح وتوسعة القنوات المائية، ومشروع الري الطارئ، إلى جانب مشروع الحسينية الصبخية ودعم المدارس الحقلية.
ويبين أن هذا النهج انعكس في مبادرات مجتمعية لتصفية 16 قناة فرعية من القناة الجنوبية بوادي مور، بطول يصل إلى 35 كيلومترًا، وبتكلفة تجاوزت 65 مليون ريال، بجهود مجتمعية خالصة.
ويضيف أن الفريق الميداني يواصل متابعة زراعة نحو 200 معاد من محصول القطن، إلى جانب تجارب زراعة فول الصويا، مؤكدًا أن الجمعية ماضية في مواصلة المسار الذي أسسه الشهيد لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
التعليم الزراعي.. استثمار في الإنسان
ولا يقتصر أثر الشهيد على المشاريع والمنشآت، إذ يؤكد الدكتور عزي فقيه، عميد كلية الزراعة بجامعة الحديدة، أن الرباعي مثل نموذجًا استثنائيًا في دعم الجبهة الزراعية، مستندًا إلى رؤية تقوم على الاستثمار في الإنسان والكوادر العلمية والشباب.
ويوضح فقيه أن الشهيد أولى طلاب كلية الزراعة اهتمامًا خاصًا، من خلال تخصيص مساعدات مالية شهرية لهم بهدف تشجيعهم على مواصلة دراستهم، كما عمل على دعم ميزانية الكلية عبر اللجنة الزراعية والسمكية العليا.
ويشير إلى أن اهتمام الشهيد بالتعليم الزراعي امتد إلى التوسع الأكاديمي وفتح كليات ومعاهد زراعية جديدة في عدد من المحافظات، إلى جانب اهتمامه بتطوير الإنتاج المحلي ودعم قطاع النحالين وترسيخ المبادرات الهادفة إلى زيادة إنتاج العسل اليمني.
ويؤكد فقيه أن المبادئ التنموية التي وضع الشهيد أسسها ستظل حاضرة في مسار العمل الزراعي والتعليمي، بوصفها رؤية تتجاوز المرحلة وترتبط ببناء كوادر قادرة على خدمة القطاع الزراعي.
الثروة السمكية.. من قطاع هامشي إلى ركيزة اقتصادية
وفي الجانب السمكي، يؤكد الدكتور عارف الصغير، عميد كلية علوم البحار والبيئة بجامعة الحديدة، أن الشهيد الدكتور رضوان الرباعي كان يحمل رؤية استراتيجية للنهوض بالثروة السمكية وتحويلها إلى ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني.
ويوضح الصغير أن الشهيد، منذ توليه المسؤولية، عمل على تنظيم القطاع السمكي وصياغة سياساته العامة وتحديد أهدافه وآليات تنفيذها، مشيرًا إلى أن محافظة الحديدة احتضنت عددًا من الورش التأسيسية التي هدفت إلى وضع أسس عملية للنهوض بالقطاع.
ويلفت إلى أن من أبرز تلك الفعاليات الورشة الأولى التي عقدت في قاعة الشهيد الرئيس الصماد بكلية علوم البحار والبيئة، والتي دعا خلالها مختلف الجهات والقطاعات المعنية إلى المشاركة الفاعلة في عمليات البناء والتطوير.
ويبين أن الشهيد حرص كذلك على عقد لقاءات متواصلة مع الكادر الأكاديمي في الكلية، بهدف الاستفادة من الخبرات العلمية في تقييم السياسات وتطويرها، ووضع الأكاديميين أمام مسؤولياتهم الوطنية تجاه قطاع الثروة السمكية.
ويشير الصغير إلى أن الرباعي كان يؤمن بأهمية وضع الثروة السمكية ضمن المراتب الثلاث الأولى في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل، كما أولى قطاع استزراع الأحياء المائية اهتمامًا خاصًا، من خلال تخصيص كيان مستقل له ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، والتأكيد على ضرورة تطويره ليوازي قطاع الدواجن.
ويضيف أن الشهيد شدد على أهمية إنشاء قسم خاص باستزراع الأحياء المائية في كلية علوم البحار، وسعى بالتعاون مع قيادة الوزارة والجامعة إلى توفير متطلبات الكلية ونفقتها التشغيلية، حتى تكللت تلك الجهود بفتح قسم استزراع الأحياء المائية خلال العام الجامعي 1448هـ.
ويختتم الصغير بالتأكيد على أن أبناء المديريات الساحلية يمثلون جزءًا أساسيًا من مستقبل هذا القطاع، داعيًا خريجي الثانوية العامة من القسم العلمي إلى الالتحاق بالقسم الجديد والمساهمة في بناء قطاع سمكي قائم على العلم والتخصص.
العمل التعاوني.. المزارع في قلب القرار
وعلى صعيد العمل التعاوني، يشير الأستاذ محمد عبيد دين، رئيس الاتحاد التعاوني الزراعي فرع الحديدة، إلى أن من أبرز بصمات الشهيد الرباعي إعادة الاعتبار للعمل التعاوني وربط المزارع الصغير بالقرار الاقتصادي.
ويؤكد دين أن الشهيد عمل على إعادة هيكلة الجمعيات وتحويلها من أطر تقليدية إلى كيانات إنتاجية تقود سلاسل القيمة وتعمل على الحد من هيمنة الوسطاء والسماسرة.
ويشير إلى أن رحيل الشهيد ترك فراغًا كبيرًا في الحركة التعاونية، مؤكدًا أن المزارعين والتعاونيين يحملون مسؤولية مواصلة المسار الذي بدأه، وحماية حقوق المنتجين وتعزيز قدرتهم على الإنتاج والتسويق.
وفي السياق ذاته، يوضح الأستاذ أحمد مطهر الهادي، مسؤول الزراعة التعاقدية بالاتحاد التعاوني الزراعي فرع الحديدة، أن برنامج الزراعة التعاقدية للذرة الشامية والحبوب الاستراتيجية الذي صممه وأشرف عليه الشهيد نقل العمل الزراعي من العشوائية إلى منظومة أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالسوق.
ويبين الهادي أن آثار هذه الرؤية بدأت تظهر من خلال ربط صغار المنتجين بالشركات الوطنية، وتأمين منافذ تسويقية بأسعار عادلة، بما يسهم في الحد من احتكار السماسرة وتقليل الاعتماد على الحبوب المستوردة.
كما يؤكد أحمد القادري، المدير التنفيذي لجمعية البلدة الطيبة التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، أن رحيل الدكتور الرباعي ترك أثرًا مؤلمًا في نفوس المزارعين في تهامة، الذين وجدوا فيه داعمًا ومشجعًا.
ويوضح القادري أن الشهيد أسهم في تعريف المجتمعات المحلية بكيفية إدارة سلاسل القيمة لمحاصيل الحبوب والنخيل، والحد من الفاقد، ورفع الإنتاجية وتقليل الكلفة، من خلال ما يمكن وصفه بالتوسع الرأسي في الإنتاج.
السدر والنحل.. حماية الغطاء النباتي
وفي قطاع الثروة النحلية، يؤكد يوسف القديمي، رئيس جمعية النحالين في تهامة، أن الشهيد الرباعي تعامل مع الغطاء النباتي باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، مشيرًا إلى أن اهتمامه انعكس في عدد من المشاريع والمبادرات.
ويوضح القديمي أن من أبرز تلك المبادرات مشروع تشـتيل ومكاثرة 340 ألف شتلة سدر بتوجيه من الشهيد وتمويل وحدة التمويل، وتوزيعها على 29 مديرية في محافظتي الحديدة وحجة.
ويشير إلى أن جهود حماية الغطاء النباتي شملت كذلك مكافحة الاحتطاب الجائر، وتفعيل الجهات الأمنية لضبط عمليات احتطاب أشجار السدر، وضبط كميات من أوراق السدر في ميزان باجل للحد من العبث بالبيئة.
كما يبين أن الشهيد أولى المحميات المجتمعية اهتمامًا خاصًا، من خلال العمل على تحويل مناطق المراعي إلى محميات مجتمعية بالتنسيق مع الجهات المعنية والإسناد الأمني.
ويلفت القديمي إلى أن اهتمام الشهيد بالنحالين لم يكن منفصلًا عن اهتمامه بالغطاء النباتي، موضحًا أن نحو 400 مستفيد جرى تمكينهم من خلال توزيع خلايا النحل وتأطيرهم ضمن مجاميع إنتاجية.
ويؤكد أن حماية الغطاء النباتي ستظل جزءًا أساسيًا من العمل التنموي، باعتبارها قاعدة لاستدامة تربية النحل والإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
النخيل.. من المنتج إلى القيمة المضافة
وفي مديرية الدريهمي، يوضح المهندس جابر كيال، رئيس جمعية الدريهمي التسويقية والزراعية، أن دعم الشهيد للجمعيات الزراعية تجسد في تمكينها من قيادة التنمية الميدانية وربط الإنتاج بالاقتصاد المحلي.
ويشير كيال إلى أن الشهيد كان له دور بارز في إطلاق مهرجان النخيل بالدريهمي في نسخته الأولى، موضحًا أن المهرجان لم يكن مجرد فعالية تراثية، بل حمل هدفًا تنمويًا واقتصاديًا يتمثل في رفع قيمة تمور تهامة وتحسين أوضاع مزارعي النخيل.
ويؤكد أن الرؤية التي وضعها الشهيد قامت على ربط منتجات النخيل بالسلسلة التسويقية والتصنيع المحلي، بما يحد من الهدر ويحقق قيمة مضافة للمنتج الوطني.
التراث الساحلي.. تنمية تحفظ الهوية
وفي البعد الاجتماعي والثقافي، يشدد الدكتور عبدالعزيز قشرة، رئيس ملتقى أبناء الساحل والرئيس السابق لجمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية، على أن أثر الشهيد لم يتوقف عند حدود المشاريع الزراعية والسمكية، بل امتد إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية والتراثية.
ويوضح قشرة أن الرباعي أسهم في دعم وتأسيس مهرجان بن عباس للتراث الساحلي، انطلاقًا من رؤية تربط بين إحياء التراث وتعزيز الوعي التنموي والزراعي لدى أبناء المناطق الساحلية.
ويبين أن هذه المبادرات أسهمت في تعزيز هوية المنطقة ودعم مجتمعات الصيادين والمزارعين، وترسيخ ارتباطهم بأرضهم وبحرهم، بما يجعل التنمية مرتبطة بالإنسان وثقافته وبيئته وموروثه.