المراسل : متابعات

تخوض الجمهورية الإسلامية إيران اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية في مواجهة عدوان أمريكي وصهيوني غارد، غير أن مسار الأحداث يكشف بوضوح أن الجمهورية الإسلامية لم تكتفِ بامتصاص الضربات، بل تجاوزت ذلك بمراحل كثيرة انعكست في المبادرة إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يحول العدوان إلى فرصة استراتيجية لترسيخ الردع.
وفيما يواصل العدو الأمريكي والإسرائيلي استهداف المنشآت المدنية والعسكرية، في إيران يتعزز التماسك الداخلي، وتتقدم المؤسسة العسكرية بخطوات محسوبة تؤكد أن القرار في طهران يُدار بعقل بارد ورؤية بعيدة المدى.
وتمثل عملية «الوعد الصادق 4» انتقالًا نوعيًا في إدارة الصراع، حيث تتسع دائرة الأهداف وتتعمق الرسائل السياسية والعسكرية، وبينما يسعى الخصوم إلى إرباك الداخل الإيراني، تُظهر مؤسسات الدولة مرونة دستورية وتنظيمية تمنع أي فراغ في القيادة أو ارتباك في القرار.
إقليميًا يتجسد مفهوم وحدة الساحات واقعًا عمليًا، فتتداخل الجبهات وتتراكم أوراق الضغط، من الميدان العسكري إلى الممرات البحرية والطاقة، إذ يوحي المشهد العام بأن طهران لا تدافع فقط عن سيادتها، وإنما ترسم ملامح توازن إقليمي جديد عنوانه أن زمن الضرب بلا كلفة قد انتهى.
صلابة طهران وحيوية الشارع
في السياق، يؤكد مراسل قناة المسيرة في طهران، علي جعفر، أن الشارع الإيراني يحتشد بثقة ويبعث برسالة واضحة بأن العدوان لا يكسر إرادة شعب خبر المواجهات الكبرى، مؤكداً أن الرد العسكري يُنفَّذ وفق خطة مُعدة مسبقًا، وليس كرد فعل انفعالي، ما يعكس جاهزية استراتيجية متقدمة.
ويلفت إلى أن المادة 111 من الدستور تؤمّن انتقالًا منظمًا للقيادة عبر مجلس مؤقت يضم الرئيس مسعود بزشكيان ومسؤولين كبارًا، بما يضمن استمرارية القرار وثبات المؤسسات.
في الداخل، تتعاظم مشاهد التضامن الشعبي مع القوات المسلحة، فيما تُدين طهران استهداف مرافق مدنية بينها مستشفى غاندي، معتبرة ذلك دليلًا على طبيعة العدوان.
ورغم محاولات زعزعة الاستقرار، تُظهر الدفاعات الجوية فعالية واضحة، فيما تتواصل موجات الصواريخ والمسيّرات باتجاه أهداف استراتيجية في عمق فلسطين المحتلة، مثبتة أن المعركة تُدار بإيقاع تصاعدي محسوب.
وفي الوقت الذي تسعى واشنطن وحلفاؤها لعزل الساحة الإيرانية عن المنطقة، تؤكد العمليات القتالية لفصائل المقاومة في العراق ولبنان، وكذا التضامن الرسمي من قبل اليمن والذي ورد على لسان السيد القائد العلم عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، وحدة الساحات، فما يجري يعد معركة مصيرية بين القطبين: الحق ممثلاً بالجمهورية الإسلامية إيران وكافة محور المقاومة، والباطل ممثلاً بأمريكا والكيان الصهيوني وحلفائهما.
وحدة الساحات تتحول إلى واقع ميداني
وحول هذه الجزئية، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية الدكتور محمد هزيمة أن ما يجري يؤسس لتحول استراتيجي يُفقد الكيان المؤقت موقعه كقاعدة متقدمة آمنة في المنطقة، لافتًا إلى أن وحدة الساحات تجاوزت الشعارات السياسية لتصبح شبكة تفاعل عسكري وسياسي تُربك الحسابات الأمريكية والصهيونية.
وبحسب قراءته، فإن استهداف القواعد العسكرية في الإقليم يضع واشنطن أمام معادلة مكلفة، ويعيد رسم حدود القوة والنفوذ في غرب آسيا.
على الساحة اللبنانية، تتقدم المقاومة بخطوات محسوبة، فيما تتصاعد الغارات المعادية في الجنوب والبقاع، غير أن الردود المتبادلة تؤكد أن الجبهة لم تُعزل كما خُطط لها.
أما الساحة الإقليمية فتتسع دائرة القلق مع تصاعد الحديث عن تأثيرات محتملة على الملاحة والطاقة، ما يضاعف الضغوط الدولية لاحتواء التصعيد الذي بات يتجاوز حدود المواجهة التقليدية.
وحول هذه الجزئية، يؤكد الباحث العراقي وسام عزيز أن القيادة الأمريكية والإسرائيلية فوجئت بحجم الرد واتساعه، بعدما بُنيت التقديرات على فرضية حسم سريع.
وفي حديثه لقناة المسيرة، يؤكد عزيز أن الضربات التي تطال أهدافًا بعيدة نسبيًا تحمل رسائل واضحة مفادها أن القدرة الصاروخية الإيرانية قادرة على فرض معادلات جديدة، مشددًا على أن ورقة مضيق هرمز تمثل عنصر ضغط اقتصادي عالمي، يُعيد ترتيب الأولويات الدولية ويفرض مراجعة سريعة للحسابات.
وفوفقًا لعزيز، فإن انخراط قوى المقاومة في العراق يعمّق مفهوم الجبهة الواحدة، ويُثبت أن أي عدوان على طهران لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل يتحول إلى قضية إقليمية مفتوحة.
إيران تصنع توازنًا جديدًا
في المجمل، تُظهر استمرار العمليات الهجومية الإيرانية ضد الأمريكان والصهاينة في المنطقة صلابة وتماسك الجمهورية الإسلامية إيران، والتي انتقلت من الدفاع إلى الهجوم، مرسخة قواعد جديدة في الاشتباك مع العدو. فالمرونة الدستورية تمنع الفراغ، والجاهزية العسكرية تفرض الردع، والدعم الشعبي يمنح القرار السياسي غطاءً متينًا.
ومع اتساع رقعة المواجهة، تتراكم كلفة العدوان على خصوم طهران سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، لا سيما وأن المعادلة التي تتشكل اليوم تتجاوز حدود الرد التكتيكي؛ بوصفها إعلانًا واضحًا بأن أمن إيران ليس مجالًا للمساومة، وأن أي استهداف سيُقابل بتوسيع دائرة الضغط.
وبينما تتداخل الجبهات وتتصاعد الرسائل العسكرية، يبدو أن الإقليم يقف أمام لحظة إعادة تموضع تاريخية، عنوانها أن ميزان القوة لم يعد أحادي الاتجاه، وأن الجمهورية الإسلامية تكتب فصلًا جديدًا في معادلات الردع الإقليمي.
(1)


