المراسل : متابعات
رسم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- في المحاضرة الرمضانية الـ 12، مساء الأحد، ملامح طريق إيماني وأخلاقي يتجاوز التوصيف الفكري والسياسي المعتاد، ليغوص في أعماق الأزمة التي تكبل الأُمَّة الإسلامية، وما يمكن أن تستفيد منه في طبيعة الصراع مع أعدائها.
وابتدأ السيد القائد بعملية تشريحٍ قرآنية لواقع أمة الملياري مسلم، من خلال استنطاقه لقصة نبي الله موسى عليه السلام، مع قوى الطغيان التي كانت تستضعف قومه، واضعًا الأُمَّة أمام حقيقة مرة؛ أنّ الاستضعاف الذي تعيشه اليوم، هو استضعاف ذاتي ناتج عن تعطيل عناصر القوة المادية والمعنوية التي تكتنزها، عندما ابتعدت عن منهاج الله سبحانه وتعالى وهديه، وعن خللٍ كبير جدًّا على “مستوى التزكية للنفوس، والتربية الإيمانية”.
رسالة جوهرية أراد السيد القائد إيصالها ليؤكّد؛ بأنّ المعركة اليوم في غزة وغيرها، هي معركة “تزكية وتدجين”؛ فإمّا أنّ تزكي الأُمَّة نفسها بهدي القرآن وتعاليمه لتكون سيدة الأمم، أو يزكيها العدو الصهيوني على عينه بـ”التدجين” لتكون قطعانًا مسلوبة الإرادة والضمير والهوية.
ويُعيد السيد القائد تحليل المفارقة العجيبة والصادمة؛ فبينما تحرك الضمير الإنساني العالمي في الغرب والشرق هزةً من وحشية الجرائم الصهيونية في غزة، غرق المحيط العربي والإسلامي في “تخاذل مريب، شمل النخب والعلماء والجيوش”، وهذا التباين هو الدليل القاطع على نجاح العدو في الحرب الناعمة الشيطانية التي تستهدف تفريغ الإنسان المسلم من محتواه القيمي.
ويلفت إلى أنّ الاستغاثات الشجية لنساء وأطفال غزة، التي وصفها السيد القائد بأنها “تخرج من بين الركام”، كانت حجة إلهية سقطت أمامها ادعاءات الانتماء للقرآن وللنبي محمد -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ- رابطًا بين الإحسان وبين الموقف.
واعتبر أنّ التقوى التي هي ثمرة الصيام لا تكتمل إلا بالاهتمام العظيم بأمر المستضعفين والجدية في مقارعة الطغيان، محذّرًا من أنّ هذا التفريط يطرد الأمة من ساحة الرحمة الإلهية ويعرضها لسنن الاستبدال.
وبالانتقال إلى البعد الاستراتيجي، كشف السيد القائد عن الرؤية الصهيونية العميقة التي تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية؛ فالعدو يرى في غزة مجرد عقبة يريد تصفيتها ليتفرغ “مرتاح البال” لاجتياح بقية العواصم من العراق والشام إلى مصر والجزيرة العربية، وصولاً إلى السيطرة العالمية المطلقة.
وفي هذا السياق، تبرز خطورة “التدجين” الذي يمارسه الصهاينة وأذرعهم في أمريكا وبريطانيا، حيث يسعون لتحويل الجرائم الفظيعة إلى “أخبار عادية” لا تستفز دمعًا ولا غضبًا؛ فتحذير السيد القائد من وصول الأمة إلى حالة “الإفلاس الإنساني” هو جرس إنذار من ضياع الأهلية لحمل الرسالة، مذكّرًا بمصير “بني إسرائيل” حين فقدوا حساسيتهم تجاه المنكر والظلم.
وبالمحصلة؛ فالسيد القائد يدعو الأُمَّة للعودة إلى “روحية الإباء” واستعادة “الكرامة الإنسانية” قبل أن تلتهم الحرب الصلبة ما تبقى من الجسد الذي أفسدته الحرب الناعمة، مؤكّدًا أنّ الاستجابة لله في ميدان المواجهة هي المصلحة الوحيدة لعيش الأمة عزيزة كفوزها بالرضوان الأبدي؛ وبذلك يقدّم السيد القائد فلسفة قرآنية لمواجهة العدو تعمل على استنهاض الوعي والضمير الإنساني، ويطرح اختبار للهوية الإيمانية لأمةٍ تاهت عن بوصلتها.
(2)


