المراسل : متابعات
تمر أزمة العلاقات الأمريكية مع كيان العدو بمنحنىً تصاعديٍ يعكس اتساع المدى الذي وصلت إليه وذلك عقب تحرك استثنائي ومفاجئ في مجلس النواب الأمريكي لـ 30 مشرعًا ديمقراطيًا، وجهوا خلاله رسالةً إلى وزير خارجية إدارة ترامب “ماركو روبيو”، يطالبون فيها بإنهاء سياسة الصمت الرسمي تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة.
حيث بنى المشرعون الديمقراطيون رسالتهم على ضرورة التزام إدارة ترامب بمبدأ الشفافية، الذي يجب تطبيقه على كل الدول دون استثناء، موضحين أن “مخاطر سوء التقدير والتصعيد والاستخدام النووي في هذه البيئة ليست نظرية بل عملية”، وخاصة في ظل التناقض المتراكم للسياسة الأمريكية الهادفة إلى منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط بينما تتجاهل قدرات الأسلحة النووية لكيان العدو الإسرائيلي باعتباره طرفًا محوريًا في الصراع الدائر.
ويأتي هذا التحرك بعد 5 عقود من علاقة خاصة بين واشنطن والكيان المؤقت استندت إلى “بروتوكول صمت” غير مكتوب، ويعني تحرك الحزب الديمقراطي هذا وفقًا لمسؤول سابق في إدارة أوباما، تراجعًا حادًا في الدعم الأمريكي التقليدي للكيان داخل الحزب، وتأكيدًا لاستطلاعات معهد “pew” التي أشارت إلى أن 80% من الديمقراطيين ينظرون إلى (إسرائيل) نظرة سلبية، ويطالبون بمحاسبتها وفقًا للمعايير الدولية ذاتها التي تطبق على الدول الأخرى.
ورغم وجود تعهد أمريكي بحماية البرنامج النووي الصهيوني “اللغز الأكثر وضوحًا والمسكوت عنه في السياسة الدولية”، الذي كان ركيزة الكيان الأساسية في امتلاك سلاح ردع هائل دون الانضمام لمعاهدة عدم الانتشار النووي، ومنع هذا الملف من أي تدويل أو مساءلة داخل أروقة الكونجرس؛ إلا أن المشهد السياسي اليوم يختلف تمامًا عما سواه.
حيث بدأ يشهد تصدعات لم تكن متوقعة؛ أُخرج بموجبها الملف من الأدراج المغلقة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ليصبح مادة للسجال العلني، وسط حراك ديمقراطي محموم يهدف إلى تجريد هذا الملف من “قدسيته” الأمنية ووضعه تحت مجهر الشفافية البرلمانية.
ويعود التحرك الديمقراطي اليوم بشأن النووي الصهيوني إلى سردية أمريكية تفيد بوجود قناعة في دهاليز صنع القرار تقضي بضرورة إنقاذ ما تبقى من مصداقية أمريكية في ملف منع الانتشار النووي وذلك من خلال إنهاء هذا “الاستثناء الإسرائيلي”، كون التغاضي التام عنه في ظل الاستمرار في ممارسة “أقصى الضغوط” على طهران لمنعها من حيازة سلاح نووي، لم يعد مجرد مفارقة دبلوماسية وحسب، وإنما أصبح عائقًا يحول دون بناء تحالف دولي متماسك.
ويرى محللون سياسيون أن الرسالة التي وجهها الديمقراطيون للخارجية الأمريكية تهدف إلى كسر التعتيم وخلق نوع من “التبريد السياسي” للمشهد الإقليمي؛ حيث أن إثارة التساؤلات حول نووي الكيان المؤقت تمنح واشنطن هامشًا للمناورة يسمح بإيقاف أيّ اندفاعة صهيونية نحو ضربة عسكرية جديدة لإيران، عبر تذكير العالم بأن المنطقة تعاني بالفعل من اختلال في التوازن النووي يجب معالجته كحزمةٍ واحدة لضمان الاستقرار الاستراتيجي.
ويُعدُّ تحرك الديمقراطيين انفجارًا سياسيًا لا يخلو من الدلالات التي يمكن حصرها واستقراءها من مشهدية اليوم في الأمور التالية:
- أن هذا التحرك قد يأخذ الصراع الداخلي في أمريكا إلى تقاطع الصراع الحزبي مع إعادة تعريف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط من جديد ولو على حساب أكبر شريك وحليف لواشنطن بل ويعد بمثابة الأبن لها.
- أن هذا التحرك ليس تشريعًا قام بسنه المشرعون الديمقراطيون وتم اعتماده في مجلس النواب باعتباره جهة تشريع، وإنما هو رسالة تحول بموجبها الملف من قضية أمن قومي إلى ورقة ضغط سياسية تهدف إلى إحراج ترامب وتصويره كراعٍ لسياسة تخرق القوانين الفيدرالية وتغذي سباق التسلح في أكثر مناطق العالم انفجارًا.
- أن هذا التحرك لا يمثل رغبة الأجنحة التقديمة في أمريكا في فك الارتباط بتبعات السياسة الصهيونية بقدر ما هو نكاية سياسية ومحاولة لإسقاط إدارة ترامب وفرملة التصعيد العسكري ضد إيران الذي سيؤدي استمراره إلى زيادة الأعباء والخسائر بشكّلٍ لا تتحمله واشنطن.
- أن كشف هذا التحرك لـ”ازدواجية المعايير” الأمريكية يمثل فضيحة أخلاقية تضاف إلى سلسلة فضائح واشنطن ويضعنا أمام لحظة تاريخية تسقط فيها الأقنعة عن “الاستثناء النووي” الوحيد في المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة صياغة توازنات القوى.
وفي ذات السياق، يُشير خبراء الأمن القومي الأمريكي، ومن بينهم “روبرت فورد” (الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط والسفير الأمريكي السابق)، إلى أن سياسة “الغموض الاستراتيجي” التي انتهجها كيان الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود بدأت تتحول من أداة حماية إلى عبء استراتيجي على واشنطن، فمع نجاح هذه السياسة تاريخيًا في تجنيب المنطقة سباق تسلح نووي معلن، إلا أنها استخدامها اليوم تم كذريعةٍ من قبل قوى إقليمية أخرى للتشكيك في نزاهة النظام الدولي لمنع الانتشار النووي.
ويرى “فورد” أن استمرار هذا التعتيم في ظل إدارة ترامب يضع الولايات المتحدة في موقف محرج أخلاقيًا وقانونيًا، حيث يغدو من المستحيل الضغط على طهران أو كبح طموحات دول أخرى في المنطقة وهي ترى “الاستثناء الإسرائيلي” يتمتع بحصانة كاملة من المساءلة أو حتى الاعتراف بوجوده.
وفي النهاية لا يبدو أن نجاح هذا التحرك في فرض نقاش علني حول نووي (إسرائيل) سيؤدي بالضرورة إلى نزع سلاحها، لكنه سيجرّد الغموض من وظيفته كوسيلة للهروب من المساءلة، ما يعني نزع الشرعية عن سياسة الغموض النووي، وإنهاء حالة الإفلات من المساءلة الدولية التي تمتع بها الكيان لعقود.
وبالنتيجة؛ فإنّ رياح التغيير في البيت الأبيض تعني أن التوجهات الأمريكية الجديدة قد لا توفر الغطاء الدبلوماسي السابق لكيان الاحتلال، ما يخرج ملفه النووي من الغرف المظلمة إلى ساحة النقاش العلني ناهيك عن أنه سيفرض على دول المنطقة مواجهة قضايا خطيرة، مثل التبعات البيئية لوجود مفاعلات، والتبعات الأمنية لسباق تسلح محتمل، أو على العكس، التحرك نحو منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.




