نتائج الخضوع للطغاة والظلمة

المراسل: كتابات

 

بقلم القاضي/ علي يحيى عبدالمغني
أمين عام مجلس الشورى

خلال العدوان الصهيوأمريكي على قطاع غزة كنا نستغرب لماذا لا تتحرك الشعوب العربية والإسلامية على الأقل كما تحركت الشعوب الأخرى غير المسلمة لادانة تلك الجرائم الفظيعة ضد الانسانية، لاسيما أنها تسمع وتشاهد شعبا عربيا مسلما بجوارها يباد ليل نهار بتلك الطريقة الوحشية، ويحاصر من الماء والغذاء والدواء لفترة طويلة، فخلال عامين كاملين لم نشاهد في بلاد الحرمين الشريفين ولا في دول الخليج كلها ولا في في مصر أم الدنيا ولا في اغلب الدول العربية والإسلامية مظاهرة واحدة تندد بالعدوان الصهيوني الأمريكي على قطاع غزة، وحينما قرأت ملزمة الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله بعنوان الدرس الرابع من دروس رمضان أدركت سبب هذا الخذلان العربي الإسلامي الرهيب للشعب الفلسطيني المظلوم، ففي هذا الدرس تناول الشهيد القائد رضوان الله عليه قول الله سبحانه وتعالى على لسان بني اسرائيل (قالوا يا موسى أجعلنا إلها كما لهم ألهة)، هذا الطلب الغريب من بني اسرائيل الذين أتاهم الله من كل ما سألوه، وفضلهم على العالمين، ناجم عن مرحلة الاستضعاف والقهر التي عاشوها في مصر أيام فرعون، لقد أدمنوا على الذل والعبودية لغير الله عزوجل، وتحطمت نفسياتهم، ووصلوا إلى مرحلة اليأس من أنه سوف يتغير حالهم، لذلك طلبوا من موسى عليه السلام أن يتركهم على على حالهم، وانه لا أمل في إنقاذهم، (قالوا أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ماجئتنا)، لذلك حذر الشهيد القائد رضوان الله عليه من خطورة الخضوع للطغاة والظلمة، واعتبر العيش في هذه الوضعية جريمة كبيرة، وأن الإسلام قد وضع حلا لهذه المسألة، وهو الخروج من البلدة التي يسيطر عليها الطغاة والظلمة ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، لأن البقاء في وضعية الذل والاستضعاف والعبودية تضرب النفسيات كافة، وتصبح النفوس محطمة ومنحطة ومعقدة، ومتى ما تحطمت النفوس وانحطت لم تعد تؤثر فيها قيادة مهما كانت مؤهلاتها، ولا تنفعها هداية مهما كانت عظمتها، ولا تستفيد من اية فرصة يمكن ان تتوفر لها، وتصبح الآيات والمعجزات بلا قيمة لديها، فبنو إسرائيل انقذهم الله من فرعون الذي كان يسومهم سوء العذاب يذبح ابناءهم ويستحيي نساءهم، واتاهم الحكم والنبوة، وفضلهم على العالمين، واغرق عدوهم وهم ينظرون، وشق لهم البحر نصفين، وفور خروجهم من البحر وقبل أن تجف أقدامهم من الماء وجدوا في الساحل قوما يعبدون أصناما، فقالوا لموسى عليه السلام (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ألهة)، فقال لهم(إنكم قوم تجهلون)، وظل يشرح لهم ظلال هؤلاء القوم، ويذكرهم بنعم الله عليهم، ولم يتوقع انهم سيقدمون على تلك الجريمة العظيمة (وإذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون)، كان موسى عليه السلام يطمح بأن يسلم فرعون وجنوده لله وإذا بأصحابه يكفرون فجأة، ويعبدون العجل من دون الله عزوجل، لأنه غاب عنهم أريعين ليلة فقط، وأخوه هارون لا يزال بينهم يحدثهم ويعظهم، هذه النفسيات المنحطة كانت قد أدمنت على الذلة والمسكنة والعبودية لغير الله فعلا، بل إن العجل تغلغل في نفوسهم هذه المرة إلى درجة قول الله (واشرب في قلوبهم العجل بكفرهم)، وحينما أمرهم موسى عليه السلام بالقتال في سبيل الله قالوا له بوقاحة (إذهب انت وربك فقاتلا إننا هاهنا قاعدون)، حاول موسى عليه السلام أن يحفزهم ويرفع معنوياتهم (يا قوم ادخلوا القرية المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم خاسرين)، إلا ان موقفهم لم يتغير، حاول المؤمنون والعقلاء فيهم أن يبسطوا لهم الأمر فقالوا لهم (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون)، إلا أن إجابتهم كانت (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها)، للأسف ان هذه الحالة والوضعية التي عاشها بنو اسرائيل يعيشها اليوم العرب والمسلمون، فما قدمته الفصائل الفلسطينة المجاهدة في السابع من أكتوبر 2023م كان يمكن أن يخلص الأمة والمنطقة إلى الأبد من الغدة الصهيونية السرطانية لو أن الأمة استجابت لنداء المقاومة، ورفعت الحصار المفروض على قطاع غزة من حدودها، وأمدت الفصائل الفلسطينية المجاهدة بالأسلحة والذخائر اللازمة، لكنها للأسف ظلت واقفة متفرجة، وسمحت للعملاء والخونة بالوقوف إلى جانب الصهاينة، والتصدي لصواريخ ومسيرات محور الجهاد والمقاومة، وامداد المجرمين الصهاينة بالأسلحة الحديثة والمتطورة والخضروات والفواكه الطازجة، التي كانت تأتيهم من الأمارات وقطر وتركيا والسعودية، وشعوب الأمة صامتة صمت القبور البالية، بل إن بعض هذه الانظمة والشعوب كانت تتمنى القضاء على غزة ولبنان واليمن وايران وغيرها من دول وحركات محور الجهاد والمقاومة، وهذه واحدة من نتائج الخضوع للطغاة والظلمة الذين باتوا يتحكمون بمصير الأمة والمنطقة، هذه الحالة الخطيرة التي تمر بها الأمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج ثقافة باطلة منحطة تعممت في أوساط الأمة منذ فترة طويلة، هذه الحالة المهينة لا تقتصر أثارها على المرحلة الراهنة، بل تمتد اثارها إلى أجيال متعاقبة، والتحرر منها يبدأ فعلا من الفرد نفسه، بالتخلص من الأفكار الباطلة والمظللة التي تكرس الخضوع والهيمنة والذلة والمسكنة والعبودية للطغاة والظلمة، سواء كان الطاغية زعيما قبليا أو سياسيا أو دينيا أو غير ذلك، حتى أن الشهيد القائد رضوان الله عليه حذر من التعامل مع الأبناء وبقية أفراد العائلة بعنف وتوبيخ وقسوة، لأن ذلك يحطم نفوسهم شيئا فشيئا حتى تتحطم فعلا، وتصبح نفوسهم محطمة ومنحطة ومهيأة للخضوع والعبودية لأي طاغية من طواغيت الأرض .
صنعاء- الأربعاء- 13 5 2026م .

الأقسام: الاخبار,المراسل العام,اهم الاخبار