قصة الأفعى السعودية في المهرة اليمنية …”وثائق سرية تُنشر لأول مرة”

المراسل  : خاص

 

“لم تكن محافظة المهرة يوماً مجرد جغرافيا حدودية في المخيلة السياسية للرياض، بل كانت ‘الحلم الجيوسياسي’ الذي طال انتظاره لكسر قيد مضيق هرمز والوصول إلى المياه المفتوحة. ما يحدث اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو استكمال لقصة ‘الأفعى السعودية’ التي بدأت أنيابها في الانغراس منذ ثلاثينيات القرن الماضي. بين وثائق ‘ويكيليكس’ المسربة، وبرقيات المخابرات البريطانية، وتقارير الأقمار الصناعية الحديثة، تتكشف ملامح أكبر عملية ‘سطو سيادي’ في التاريخ الحديث، حيث تحولت ‘الخراخير’ من قرية حدودية إلى قاعدة انطلاق لمشروع يهدف لاقتطاع قلب اليمن وتحويله إلى ممر نفطي تحت سيادة سعودية مطلقة، مستغلاً جراح الحرب والوكلاء المحليين.”
أطماع الثلاثينيات
منذ عقود طويلة تعود لثلاثينيات القرن الماضي، سعت مملكة آل سعود للسطو على الجغرافية اليمنية ومحاولة اختراق الجبهة المهرية العصية لتمدد أطماعها التي لم تكف في جزيرة العرب منذ نِشأتها وحتى اليوم.
في الثلاثينيات انطلق وزير خزانة آل سعود عبد الله السليمان ، ومعه مستشار الملك عبد العزيز آل سعود “جون فيلبي”، في مهمة سرية إلى مناطق الجوف ومأرب وحضرموت، حاملاً معه أكياساً من جنيهات الذهب وجنيهات ماري تريزا الفضية، في وقت كانت فيه هذه المناطق تعاني فقراً شديداً. كانت استراتيجية السليمان تعتمد على “شراء السيادة” عبر تقديم إغراءات مالية لمشايخ قبائل عبيدة في مأرب، ودهم في الجوف، والصيعر في حضرموت، لانتزاع وثائق ولاء تمنح السعودية حق التمثيل السياسي أو التنقيب عن الموارد والتمدد على الأرض اليمنية، إلا أن هذا المسعى اصطدم بوعي مبكر لدى سلاطين حضرموت (القعيطي والكثيري)، وشيوخ مأرب والجوف الذين رفضوا هذه العروض جملة وتفصيلاً، وأرسلوا رسائل احتجاج للمقيم البريطاني في عدن (موثقة في الملف FO 1016/313) اعتبروا فيها تحركات فيلبي والسليمان خرقاً لسيادة أراضيهم، ما دفع السعودية لاحقاً للانتقال من محاولات “الضم بالذهب” إلى سياسة “التعطيل بالاتفاقيات”.
مرحلة تسييس الأطماع
بعد المواجهة العسكرية المحدودة في حرب عام 1934، فُرضت معاهدة الطائف كإطار قانوني ينظم العلاقة، لكن العقلية السعودية، بتوجيه من السليمان وفيلبي، زرعت في صلب المعاهدة ما يُعرف بـ المادة الخامسة، وهي مادة نصت على أن المعاهدة مدتها عشرون سنة فقط قابلة للتجديد. كان الهدف من هذا النص هو إبقاء وضع الحدود مع اليمن “غير نهائي”، ما منح السعودية الحق القانوني (من وجهة نظرها) في التدخل المستمر بشؤون المناطق الشرقية والنفطية.
خلال هذه الفترة، تحولت مناطق مأرب والجوف إلى ساحة لما يمكن تسميته بـ “تجميد الثروة”، حيث استغلت السعودية غموض الحدود في المناطق الصحراوية المتاخمة للربع الخالي لمنع الحكومات اليمنية في صنعاء من إدخال شركات تنقيب دولية، وكلما ظهرت بادرة استكشاف نفطي، كانت الرياض تلوح بخرائط أرامكو ومذكرات فيلبي التي تدعي أن هذه الأحواض الرسوبية تتبع أو تشترك مع العمق السعودي، واستخدمت السعودية الأموال لضمان ولاء قبائل “الحدود” لتعطيل أي مشروع تنموي يمني، لضمان بقاء اليمن تحت رحمة المساعدات السعودية، وهو ما كشفته لاحقاً تقارير شركة أرامكو المسربة التي أكدت وجود مخزونات هائلة في حوض مأرب-الجوف تم التكتم عليها لعقود لضمان عدم خروج اليمن من “بيت الطاعة” الاقتصادي السعودي.
الصدام مع المد الاشتراكي وحرب الوديعة
شكل عام 1967 نقطة تحول مرعبة للسياسة السعودية بظهور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، حيث تلاقت الأطماع الجيوسياسية القديمة مع فوبيا “الخطر الشيوعي”، فرأت الرياض في نظام عدن الاشتراكي قوة قادرة على تحقيق ما عجز عنه الإمام يحيى، وهو استعادة السيطرة على حضرموت والمهرة وبناء دولة قوية اقتصادياً، فجاءت حرب الوديعة في نوفمبر 1969 كضربة استباقية كبرى. تشير الوثائق البريطانية السرية (الملف FCO 8/1183) إلى أن الهجوم السعودي على الوديعة لم يكن للدفاع عن نقطة حدودية، بل كان يهدف لتأمين بوابة حضرموت ومنع القوات الاشتراكية من التمدد نحو مناطق النفط في الجوف ومأرب.
في هذه المرحلة، لعبت الاستخبارات العسكرية السعودية بقيادة الأمير سلطان بن عبد العزيز دوراً محورياً في رسم خرائط “التطويق الجغرافي”، حيث تم عزل الجنوب عن عمقه القبلي في الشمال عبر شراء ولاءات مشايخ مأرب، وضمان بقاء المناطق النفطية بعيداً عن سيطرة “الماركسيين”، وقد تضمنت التقارير الاستخباراتية في تلك الفترة تأكيدات بأن السيطرة على شرورة والوديعة هي الضمانة الوحيدة لتحقيق “الحلم السعودي القديم” في الوصول للمحيط الهندي عبر أرض يمنية ضعيفة أو مقسمة، وهو ما يفسر الكثافة العسكرية السعودية في تلك المناطق منذ ذلك الحين وحتى اليوم.

(5)

الأقسام: الاخبار,المراسل العام,اهم الاخبار