المراسل : خاص
تؤكد العقيدة الأمنية السعودية، المنسجمة بنيوياً مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية والبريطانية، أن بقاء اليمن في حالة من التبعية أو الضعف الهيكلي ليس مجرد خيار سياسي عابر بل هو ركن استراتيجي ثابت في السياسة الخارجية للرياض، وهذا ما يفسر سلسلة الاغتيالات الممنهجة التي طالت القادة اليمنيين الذين حاولوا صياغة مشروع وطني سيادي يخرج عن مدار الوصاية الإقليمية والدولية. إن التحليل الاستقصائي المعمق لمسار هذه الاغتيالات يكشف عن هندسة دقيقة تبدأ من لحظة رصد “الخطر السيادي” وتنتهي بتنفيذ عملية التصفية باستخدام أدوات استخباراتية ولوجستية مشتركة.
تصفية المشروع الوطني..اغتيال الحمدي
برز اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي في 11 أكتوبر 1977 كأول انكسار كبير للمشروع الوطني اليمني الحديث بفعل تدخل خارجي مباشر، إذ تشير البرقيات الدبلوماسية المرفوع عنها السرية من الأرشيف البريطاني ومنها البرقية رقم (14/405/1) إلى أن التحركات الوحدوية للحمدي مع الجنوب اليمني كانت تمثل “الخط الأحمر” الذي لا يمكن للرياض السماح به، وقد تعزز هذا العداء السعودي بمباركة أمريكية وبريطانية ظهرت ملامحها في تقارير وكالة المخابرات المركزية (CIA) التي وصفت الحمدي بالقومي المتطرف الذي يهدد استقرار المشايخ والقبائل الموالية للرياض. لذلك لم يكن حضور الملحق العسكري السعودي صالح الهديان لوليمة الغداء الأخيرة في منزل أحمد الغشمي مجرد صدفة بل كان تأكيداً على الإشراف المباشر على ذبح المشروع السيادي اليمني في مهده، وهو ما أثبتته شهادات لجنة التحقيق التاريخية التي أكدت أن التخطيط والتمويل كانا سعوديين بامتياز مع توفير غطاء استخباراتي بريطاني تولى صياغة “رواية التشويه” اللاحقة للاغتيال بهدف ضرب رمزية الحمدي في الوجدان الشعبي.
إزاحة “سالمين” وإجهاض التقارب الوحدوي
لم تكن العقيدة الأمنية السعودية لتكتفي بتصفية رأس الدولة في الشمال بل امتدت يدها لتفكيك التحالف الوحدوي عبر استهداف الرئيس سالم ربيع علي “سالمين” في الجنوب عام 1978، حيث تؤكد وثائق السفارة الأمريكية في جدة والمسجلة تحت رقم (1978JEDDA04902) أن الرياض لعبت دوراً محورياً في تغذية الصراعات البينية داخل أجنحة الحزب الاشتراكي اليمني لضمان إزاحة سالمين الذي كان يمثل الجسر الرابط مع مشروع الحمدي، وتكشف المراسلات الدبلوماسية أن واشنطن ولندن كانتا تريان في تصفية سالمين ضرورة ملحة لمنع قيام كيان يمني موحد يمتلك السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب، ما جعل عملية الإطاحة به وإعدامه جزءاً من استراتيجية “تطهير المنطقة” من القيادات الوطنية التي لا تخضع للإملاءات السعودية.
هذا الترابط في التوقيت بين اغتيال الحمدي وسالمين يثبت أن القرار كان دولياً بتنفيذ إقليمي لضمان بقاء اليمن شطرين متناحرين يسهل التحكم بقرارهما السياسي والعسكري.
من الانقلابات العسكرية إلى الاغتيال التقني
مع مطلع الألفية الجديدة تطورت أدوات هذه العقيدة الأمنية لتتخذ طابع “الحروب بالوكالة” والعمليات الاستخباراتية المشتركة تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وهو ما تجلى بوضوح في عملية تصفية شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي عام 2004 خلال الحرب الأولى في صعدة، إذ تكشف وثائق “ويكيليكس” ومنها البرقية رقم (04SANAA2211) الصادرة عن السفارة الأمريكية في صنعاء أن الدور الأمريكي تجاوز الدعم السياسي إلى تقديم الدعم التقني والخرائط الرقمية المتطورة وتدريب الوحدات الخاصة التي نفذت عملية الاقتحام، في حين كانت السعودية هي الممول الرئيسي لهذه الحروب والدافع نحو تصفية السيد حسين الحوثي لمنع نشوء حركة شعبية تمتلك خطاباً تحررياً يناهض الهيمنة الأمريكية والسعودية في شبه الجزيرة العربية.
كذلك البرقية رقم (04SANAA1854)، التي سبقت الاغتيال بأسابيع، وتحدثت عن “القلق المشترك” بين الرياض وواشنطن من الخطاب المناهض للهيمنة والذي يتبناه الشهيد القائد حسين الحوثي.
وهذه الوثائق تؤكد أن النظام اليمني آنذاك كان يعمل كأداة تنفيذية ضمن هذه العقيدة الثلاثية التي ترى في أي وعي وطني مستقل تهديداً وجودياً لمصالحها.
اغتيال الصماد.. ذروة التنسيق الأمريكي السعودي
إن ذروة هذا التنسيق الإجرامي تجلت في اغتيال رئيس المجلس السياسي الأعلى الشهيد صالح الصماد في 19 أبريل 2018 بمدينة الحديدة، حيث لم تكن هذه العملية مجرد غارة جوية عابرة بل كانت تجسيداً لدمج الخبرات الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية مع التمويل والتنفيذ السعودي.
وتؤكد تقارير استقصائية دولية نشرتها صحيفة “الغارديان” بناءً على معطيات من غرف العمليات بالرياض أن رصد تحركات الصماد تم عبر تقنيات تجسس أمريكية فائقة الدقة لا تمتلكها المملكة منفردة، وأن “الضوء الأخضر” للتنفيذ جاء بعد مشاورات ثلاثية رأت في الصماد الشخصية القيادية القادرة على مأسسة الدولة اليمنية وتحويلها إلى قوة معترف بها
دولياً، وهذا ما أكده تقرير مجموعة الأزمات الدولية رقم (190) الذي أشار إلى أن تصفية الصماد كان يهدف لكسر “الجناح السياسي” وبناء مسار عسكري يؤدي لتمزيق اليمن، وهو ما ينسجم تماماً مع العقيدة الأمنية السعودية التي أعلنت صراحة عبر وكالة الأنباء (واس) أن الصماد كان المطلوب رقم 2 في قائمتها.
بيانات وزارة الدفاع السعودية ووكالة “واس”، في أبريل 2018 رغم كونها بيانات معلنة، إلا أنها استندت إلى قائمة الـ (40 مطلوباً) التي أُعدت بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية، حيث تؤكد التقارير أن ملف الصماد تم تحديثه استخباراتياً قبل الاغتيال بـ 72 ساعة عبر بصمة إلكترونية وفرتها طائرات استطلاع غربية، ما جعل إصابة موكبه في الحديدة عملية جراحية دقيقة تُثبت “العقيدة الأمنية” في تصفية الرموز السيادية.
استدامة “الفوضى المدارة”
تؤكد العقيدة الأمنية السعودية، المنسجمة بنيوياً مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية والبريطانية، أن بقاء اليمن في حالة من التبعية أو الضعف الهيكلي هو ركن استراتيجي ثابت، حيث تتوزع الأدوار بدقة متناهية تضع السعودية في مقدمة الرصد الميداني وتوفير المعلومات البشرية العميقة والتمويل المباشر، مستفيدة من شبكات نفوذها التاريخية داخل البنية القبلية والسياسية اليمنية لتعقب الأهداف وتحديد مسارات القادة الوطنيين، بينما تتولى الولايات المتحدة الأمريكية توفير السيادة التكنولوجية عبر أقمارها الصناعية ومنصات الرصد الجوي المتطورة (مثل طائرات الدرون) لضمان التنفيذ الجراحي الدقيق، في حين تضطلع بريطانيا بدور المهندس الدبلوماسي والمزود بالخطط الاستخباراتية التي تهدف إلى “شرعنة” هذه الاغتيالات دولياً أو رسم استراتيجيات “تدمير السمعة” اللاحقة للتصفية لضمان عدم تحول هؤلاء القادة إلى أيقونات ثورية.
وهو ما تظهره بوضوح البرقيات المتواترة، مثل برقيات ويكيليكس (04SANAA2211) والتقارير المسربة من غرف العمليات بالرياض، والتي تربط دائماً بين استقرار المصالح السعودية وغياب القيادات اليمنية القوية عن المشهد.
وتشير التقارير الاستخباراتية، بما في ذلك ما كشفه تقرير مجموعة الأزمات الدولية رقم (190)، إلى أن غرف العمليات المشتركة لا تزال تضع “تصفية الكوادر السيادية” على رأس أولوياتها لضمان عدم خروج اليمن من حالة الانكسار التاريخي الذي فُرض عليه منذ عقود، حيث تظل المعلومات الميدانية السعودية هي “المحرك” الذي يغذي الطموح الأمريكي البريطاني في السيطرة على الموقع الجيوسياسي لليمن.
ومما لا مجال فيه للشك أن دماء هؤلاء القادة كانت الثمن الذي دُفع لمحاولتهم استعادة كرامة اليمن وسيادته بعيداً عن الوصاية الثلاثية التي ترى في اليمن مجرد جغرافيا للمناورة وليس وطناً لشعب يستحق الاستقلال الكامل.
++++++++++++++++++++++++++++
(0)



