المراسل : متابعات
تتجه الأنظار إلى التحولات التي فرضتها المواجهة الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور الجهاد والمقاومة من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، بعد أن كشفت التطورات الميدانية والسياسية عن معادلات جديدة فرضتها قوى المقاومة على امتداد ساحات المواجهة.
وخلافاً للتقديرات التي راهنت على إضعاف إيران أو دفعها إلى التراجع، أظهرت التطورات الأخيرة أن مسار المواجهة أفضى إلى نتائج معاكسة؛ إذ برزت القدرات العسكرية الإيرانية ووحدة ساحات المقاومة كعامل ضغط مباشر على الولايات المتحدة وحلفائها، فيما تحولت الممرات البحرية الاستراتيجية، من باب المندب إلى مضيق هرمز، إلى عناصر مؤثرة في معادلة الصراع الإقليمي والدولي.
وفي ظل استمرار المفاوضات والاتصالات السياسية، تبدو معادلة الردع التي رسختها إيران ومحور المقاومة حاضرة بقوة في خلفية أي تفاهمات أو ترتيبات مستقبلية، حيث تنتزع طهران الحقوق بقوة الردع، وسط تأكيدات متزايدة بأن موازين القوة على الأرض باتت عاملاً حاسماً في رسم مسارات السياسة والتفاوض.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور مصطفى خرم آبادي، المتخصص في قوانين الحروب، أن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لا يجيزان الحروب أو الهجمات إلا ضمن الأطر التي يحددها مجلس الأمن، معتبراً أن الولايات المتحدة، من خلال انتهاكها لميثاق الأمم المتحدة، أعلنت عملياً أنها لا تلتزم بالقانون الدولي.
ويشير، في مداخلة على قناة المسيرة، إلى أن التجارب السابقة جعلت الاقتناع واسعاً بأن الولايات المتحدة قادرة على انتهاك الاتفاقيات والقوانين الدولية، مما يطرح تساؤلات حول الضمانات الحقيقية لأي اتفاقات مستقبلية بين إيران وواشنطن، مؤكداً أن الضمان الأساسي يتمثل في الصواريخ الإيرانية وقدرات الردع العسكرية التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية.
ويوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد أعلن في بداية الحرب أن زمن المفاوضات انتهى وأن زمن الاستسلام قد بدأ، متسائلاً عما دفع واشنطن وكيان العدو لاحقاً إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والحديث عن وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع الحصار البحري، وإبعاد القوات الأمريكية عن محيط إيران.
ويشدد على أن السبب في ذلك يعود إلى قوة الردع التي تمتلكها القوات المسلحة الإيرانية، مؤكداً أن استمرار هذه القدرات هو ما يفرض على الولايات المتحدة احترام أي اتفاقات أو تعهدات مستقبلية.
وفيما يتعلق بالمفاوضات الجارية، يوضح خرم آبادي أن إيران تتعامل بحذر شديد نتيجة تجربتها السابقة مع الاتفاق النووي، عندما انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق الذي وقعته إدارة باراك أوباما، مشيراً إلى أن هذا الإرث دفع طهران إلى دراسة المقترحات الأمريكية بدقة، والمطالبة بضمانات عملية وميدانية لكل بند من بنود أي اتفاق جديد.
ويضيف أن إيران تطالب بخطوات ملموسة، من بينها الإفراج الفعلي عن الأموال المحتجزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، مؤكداً أن طهران ترفض أي نقاش يتعلق بقدراتها العسكرية أو الصاروخية، باعتبارها الضمان الوحيد لتنفيذ الاتفاقات واحترامها.
ويؤكد تمسك إيران بحقها في التخصيب النووي السلمي استناداً إلى المادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مشيراً إلى أن الخبراء الإيرانيين يدرسون مختلف التفاصيل لتجنب تكرار ما جرى في التجارب السابقة.
وفي إطار الاتفاق، يشدد آبادي على أن معادلة “وحدة الساحات” تقتضي وقف إطلاق النار في جميع ساحات محور المقاومة، سواء في اليمن، أو لبنان، أو العراق، أو إيران، مؤكداً أن أي تسوية لا بد أن تشمل مختلف الجبهات المرتبطة بهذا المحور.
وفي ختام حديثه، يلفت المتخصص في قوانين الحروب الدكتور مصطفى خرم آبادي إلى أن انعدام الثقة بالإدارة الأمريكية ما يزال قائماً لدى الإيرانيين، ولذلك يؤكد المسؤولون الإيرانيون باستمرار أن المفاوضات تجري فيما “الأيادي على الزناد”.
من جهته، يرى النائب السابق في البرلمان التونسي زهير مخلوف أن الضغوط التي تعرضت لها الولايات المتحدة جاءت نتيجة مجموعة عوامل متراكمة، أبرزها الإخفاقات العسكرية، والضربات المتواصلة التي نفذتها جبهات المقاومة، إضافة إلى دخول باب المندب على خط الضغط الاستراتيجي، والتهديد الإيراني المرتبط بإمدادات النفط والغاز العالمية.
ويؤكد، في مداخلة على قناة المسيرة، أن التهديد الإيراني تحول إلى معطى واقعي قادر على التأثير في الاقتصاد الأمريكي والغربي والعالمي، الأمر الذي وضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.
ويشير إلى أن هذه الضغوط شملت الفشل العسكري، والانعكاسات الاقتصادية، والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب، إضافة إلى الضغوط السياسية والشعبية داخل الولايات المتحدة، مما دفع ترامب إلى القبول بمذكرة التفاهم المطروحة.
ويبيّن أن هذه المذكرة قد تستمر لفترات طويلة وربما تمتد إلى ستين يوماً أو أكثر، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات أمريكية للتلاعب أو إعادة تفسير بنود التفاهم بما يخدم الرواية الأمريكية.
ويؤكد مخلوف أن إيران تتجه نحو تحقيق أهدافها وشروطها، معتبراً أن ما جرى يمثل “انتصاراً دبلوماسياً واستراتيجياً وجيوسياسياً” تحقق بفعل الصمود والقوة العسكرية.
كما يؤكد أن الولايات المتحدة باتت مضطرة للبحث عن إنهاء الحروب في أكثر من ساحة، سواء في لبنان، أو في المواجهة مع إيران، أو حتى في الملف اليمني، بعدما فشلت في تحقيق الأهداف التي أعلنتها عند بدء المواجهة.
ويلفت إلى أن واشنطن لم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني، أو السيطرة على البرنامج النووي، أو تحقيق أي من الأهداف التي طرحتها في بداية الحرب، مؤكداً أن إيران فرضت شروطها بفضل قدراتها الصاروخية والعسكرية، ودور حلفائها في لبنان واليمن والعراق.
ويعبر عن أن التفاف جماهير محور المقاومة حول مشروعها السياسي والعسكري شكل عاملاً إضافياً في تعزيز صمود هذا المحور وإفشال الضغوط التي مورست عليه.
ويرى مخلوف أن البيئة الدولية بدورها اتجهت لمصلحة إيران، مشيراً إلى أن المواقف الدولية والأممية شهدت انتقادات متزايدة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فيما تصاعدت داخل الولايات المتحدة نفسها الأصوات الرافضة للانخراط في العدوان.
وفي ختام مداخلته، يؤكد النائب السابق في البرلمان التونسي زهير مخلوف، أن عناصر القوة الاستراتيجية والتكنولوجية والجيوسياسية كانت بمجملها تميل لمصلحة إيران، منوّهاً إلى أن محور المقاومة ما زال يحتفظ بأوراق قوة إضافية لم يتم استخدامها بعد، فيما تواجه الولايات المتحدة تراجعاً في قدراتها على مواصلة الضغوط العسكرية وتحقيق أهدافها المعلنة.




