المراسل : متابعات
في قراءة إسرائيلية جديدة للتصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، اعتبر البروفيسور عوزي رابي أن طهران نجحت في جرّ خصومها إلى ما سماه “فخ الجولات”، حيث تتحول كل ضربة إلى رد محدود وكل رد إلى محاولة للعودة إلى طاولة التفاوض بدل تغيير قواعد اللعبة.
وبحسب مقال للبروفيسور عوزي رابي نشره موقع “واللا” الإسرائيلي، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل إسقاط مروحية أباتشي أميركية، لأن أي قوة عظمى تسعى إلى اتفاق لا يمكنها السماح بمرور استهداف أصل عسكري أميركي من دون رد. ولذلك، رأى رابي أن الضربة الأميركية داخل إيران كانت متوقعة وربما حتمية.
إلا أن المشكلة، وفق الكاتب، لا تكمن في الرد نفسه، بل في اللغة التي أحاطت به، أي تقديمه على أنه رد مدروس ودفاعي ومتناسب يهدف إلى “إغلاق جولة” لا إلى فتح حرب.
واعتبر رابي أن القاعدة الأولى لدى الطرف الأقوى عسكريًا وتكنولوجيًا هي عدم تبني لغة الجولات التي يعتمدها الطرف الأضعف. فحين ترد الولايات المتحدة على إيران بمنطق “التناسب”، فإنها قد تظهر بمظهر الدولة المسؤولة، لكنها في الوقت نفسه تدخل إلى قواعد اللعبة التي تريدها طهران: ضربة ثم رد ثم ضبط للإيقاع ثم عودة إلى الطاولة.
ورأى أن إيران لا تحتاج إلى هزيمة أميركا، بل يكفيها أن تجعلها طرفًا آخر داخل جولة محسوبة. فالقوة العظمى التي تكتفي بقياس ردودها بدل فرض القواعد تكون قد بدأت باللعب في ملعب خصمها.
وأشار رابي إلى أن هذا ليس مجرد تحليل نظري، بل هو المنطق نفسه الذي حاولت إيران فرضه على إسرائيل قبل يومين، حين ضربت إسرائيل أهدافًا مرتبطة بحزب الله وبالنظام الإيراني، فردت إيران بإطلاق النار باتجاه إسرائيل، ثم طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف الجولة والعودة إلى المفاوضات.
وبحسب الكاتب، حاول ترامب بذلك فرض منطق “التناسب” على إسرائيل أيضًا، بمعنى أن كل طرف أطلق ما لديه والآن يجب التوقف. لكنه اعتبر أن هذا المنحى يشكل منزلقًا خطيرًا بالنسبة إلى إسرائيل، لأن إغلاق إطلاق النار الإيراني على الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالدعوة إلى العودة إلى الطاولة يجعل طهران تتعلم أن هذا الأسلوب ينجح.
وأضاف أن النمط نفسه يتكرر الآن في مواجهة الولايات المتحدة. فإيران أو إحدى الجهات الحليفة لها تستهدف أصلًا عسكريًا أميركيًا، وواشنطن ترد، ثم تطلق إيران ردودًا باتجاه قواعد أميركية في المنطقة، وبعد ذلك تبحث المنظومة كلها عن طريقة لإغلاق الجولة من دون كسر مسار الاتفاق.
ولفت إلى أنه بحسب التقارير، هاجمت الولايات المتحدة أهدافًا داخل إيران بعد إسقاط المروحية، فيما ردت إيران بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة ضد أهداف أميركية في البحرين والكويت والأردن. وفي الوقت نفسه، تواصل الإدارة الأميركية الحديث عن المفاوضات وإمكان التوصل إلى اتفاق.
ورأى رابي أن إسرائيل تعرف جيدًا فخ “التناسب”، لأنها عاشت هذا النمط لسنوات في مواجهة حماس وحزب الله: إطلاق نار ثم رد ثم وقف لإطلاق النار ثم عودة إلى الروتين. وفي كل مرة كان يبدو أن الجولة انتهت، لكن التهديد كان يبقى قائمًا للجولة التالية.
واعتبر أن هذه التنظيمات تعلمت حدود الرد الإسرائيلي وطورت قدراتها وحولت التناسب الإسرائيلي إلى أداة عمل ضد إسرائيل نفسها. وما كان يفترض أن يكون مسؤولية سياسية تحول على المدى الطويل إلى وسيلة لحفظ التهديد لا لإنهائه.
وبحسب الكاتب، تكمن الخطورة اليوم في أن تعتمد الولايات المتحدة النسخة نفسها من هذه المعادلة في مواجهة إيران. فبدل أن توضح واشنطن أن استهداف قوة أميركية يغير قواعد اللعبة، فإنها ترسل رسالة مفادها أن الرد سيكون محسوبًا ومحدودًا ومضبوطًا.
وشدد رابي على أن في ذلك منطقًا تكتيكيًا، لكنه يحمل خطرًا استراتيجيًا. فالتناسب قد يكون عامل استقرار في مواجهة خصم عقلاني ودولتي بالمعنى التقليدي، لكنه في مواجهة نظام ثوري يدير ابتزازًا إقليميًا عبر حلفائه قد يتحول إلى دعوة لجولة جديدة.
وأضاف أن الأمر يزداد خطورة لأن ترامب يسعى إلى اتفاق، ويتحدث عن استمرار الحصار وعن تقدم المفاوضات، ويؤكد أن “الجهل أو الغباء” يجب ألا يعرقلا التسوية. لكن كلما أظهر الرئيس الأميركي رغبة في إغلاق الحدث والمضي قدمًا، فهمت طهران أن الوقت والنار يشكلان أدوات ضغط.
وقال رابي إن إيران ليست مضطرة إلى هزيمة أميركا، بل يكفيها أن تجعل واشنطن تحتاج إلى الاتفاق بسرعة أكبر منها.
واعتبر أن السؤال ليس ما إذا كان يجب على الولايات المتحدة أن ترد، لأنها كانت مضطرة إلى ذلك، بل ما إذا كان الرد يغير المعادلة أو يندمج فيها فقط. فإذا أسقطت إيران مروحية أميركية، وردت واشنطن، ثم أطلقت طهران النار على قواعد أميركية، وبعد ذلك عاد الجميع إلى الطاولة، فإن إيران تكون قد تعلمت درسًا مهمًا: يمكن الضرب ودفع ثمن محدود وتحسين الموقع التفاوضي.
وختم رابي بأن القوة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها النارية، بل بقدرتها على تحديد قواعد اللعبة. وحين تكتفي بما يشبه “الرد بالمثل”، فإنها تبدو أقل قدرة على فرض النظام على دولة متمردة وأكثر قابلية للانجرار إلى الجولة التي تديرها تلك الدولة.
وخلص إلى أن التناسب يمكن أن يكون أداة، لكنه لا يمكن أن يكون استراتيجية. فإذا أرادت الولايات المتحدة وإسرائيل منع إيران من تحويل كل ضربة إلى ورقة مساومة، فعليهما ألا تكتفيا بالرد، بل أن تفككا نمط الجولات نفسه. وإلا فإن كل “رد مدروس” سيبدو مسؤولًا في لحظته، لكنه سيحضّر الأرضية للأزمة التالية.




