المراسل: خاص

لم يكن فجر 28 فبراير مجرد انطلاق لعملية عسكرية عابرة تحت مسمى “الغضب الملحمي”، بل كان إيذاناً بدخول المؤسسة العسكرية الأمريكية في نفق مظلم من الاستنزاف البشري الذي لم تشهده منذ حرب فيتنام، حيث تحولت القواعد العسكرية الممتدة من صحاري الأردن في “موفق السلطي” إلى شواطئ الكويت في “علي السالم” وصولاً إلى قلب القواعد القطرية في “العديد” و”الظفرة” في الإمارات و”الأمير سلطان” في السعودية، إلى ساحات مفتوحة لاستقبال الصدمات الصاروخية التي مزقت أسطورة الحماية المطلقة، وأحالت هذه المنشآت إلى “مدافن مؤقتة” تدار فيها أكبر عملية تضليل جنائزي في التاريخ الحديث، إذ تشير المعطيات الراهنة إلى أن الإدارة الأمريكية قد استنفدت كافة وسائل التعتيم الإعلامي لتغطية حجم “المفرمة البشرية” التي تعرض لها الجنود والمقاولون الفنيون، وذلك خوفاً من انهيار الجبهة الداخلية قبيل الانتخابات النصفية الوشيكة، ما يجعل من سماء المنطقة “جسراً جوياً جنائزياً” لا يتوقف عن نقل الأشلاء والضحايا تحت جنح الظلام وبعيداً عن عدسات الصحافة العالمية التي انشغلت بتصوير الرشقات الصاروخية وتجاهلت حصاد الأرواح في الثكنات المدمرة.
لغز الوثيقة والبصمة الجنائية في أروقة البرلمان
تعتبر وثيقة الميزانية المسربة التي تحمل الكود المرجعي الموثق (FY26-22-EM)، والمؤرخة في 14 مارس، هي “الخيط الرفيع” الذي كشف زيف الرواية الرسمية للبنتاغون حول الخسائر البشرية، حيث صدرت هذه الوثيقة في الأصل عن مكتب الميزانية التابع للجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأمريكي كطلب طارئ لإعادة توجيه السيولة النقدية العسكرية.
وقد تسربت تفاصيل المداولات العاصفة حولها عبر منصة “The Intercept” الاستقصائية في 16 مارس، تبعها تقرير مفصل من مراسلي الدفاع في شبكة “Politico Pro” ونشرة “Inside Defense” الذين استطاعوا رصد كواليس جلسة الاستماع السرية المنعقدة في 17 مارس داخل غرفة المعلومات الحساسة المحصنة (SCIF)، حيث شهدت تلك الجلسة مواجهة حادة وصلت إلى حد الصراخ والاشتباك اللفظي بين رئيس اللجنة ونائب وزير الدفاع للعمليات اللوجستية، وذلك على خلفية طلب البنتاغون تخصيص مبلغ ضخم قدره 850 مليون دولار تحت بند “تعويضات نهائية لقتلى العمليات الخارجية”، وهو مبلغ يتجاوز منطقياً أي تعويض عن “13 قتيلاً” كما زعم البيان الرسمي.
هذا الرقم الحسابي يغطي تكاليف جنازات ومنح وفاة ورواتب تقاعدية تراكمية لما لا يقل عن 1000 عائلة جندي ومقاول، ما يثبت أن البنتاغون يتعامل مع ميزانية الدولة كـ “صندوق شراء صمت” لدفن الحقيقة قبل دفن الضحايا.
استنفار لاندستول ورامشتاين
بالتوازي مع الحراك المالي في واشنطن، كان الواقع الميداني في قاعدة “رامشتاين” الجوية في ألمانيا يكشف عن مأساة بشرية من نوع آخر، حيث تحولت القاعدة إلى محطة استقبال رئيسية لرحلات الإخلاء الطبي (MEDEVAC) التي تنفذها طائرات “C-17 Globemaster III” العملاقة والمجهزة كغرف عمليات طائرة. فقد رصدت الأقمار الصناعية الروسية من طراز (Persona-1) والصينية (Yaogan-41) نشاطاً غير مسبوق في مدارج الطوارئ بقواعد “موفق السلطي” بالأردن و”الأسد” بالعراق و”العديد” في قطر، منذ مطلع شهر مارس، وفي تحول دراماتيكي رصده معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في تقريره الصادر في 9 مارس، تبين أن المستشفى العسكري الأمريكي في “لاندشتول” استقبل ما يزيد عن 1200 إصابة حرجة في الأسبوع الأول من الحرب فقط، وهو رقم مهول دفع بالمؤسسة الطبية العسكرية لإطلاق نداءات استغاثة سرية ومستعجلة لبنوك الدم لتوفير كميات هائلة من الوحدات والبلازما للتعامل مع حالات النزف الداخلي والحروق الكيميائية والارتجاجات الدماغية الحادة (TBI) الناتجة عن الموجات الانفجارية للصواريخ الباليستية.
وقد أكدت تقارير جامعة براون (Costs of War) في تحديثها بتاريخ 12 مارس أن وزارة الدفاع استحدثت ممرات شحن جوي خاصة لنقل الدم المبرد من القواعد الأمريكية في الساحل الشرقي مباشرة إلى ألمانيا لتغطية النقص الحاد مع استخدام تبرعات الدم في ألمانيا ونيوزيلندا.
الخيام الحرارية ورصد “المخفي” خلف الجدران العسكرية
لم تقف الأدلة عند حدود الوثائق والنداءات الطبية، بل امتدت لتشمل الرصد الفني الدقيق الذي قامت به مراكز دراسات مستقلة مثل “SouthFront”، والذي استطاع عبر صور الأقمار الصناعية الصينية من طراز (Gaofen-4) و (Jilin-1) في 10 و 12 مارس، كشف النقاب عن ظهور “هياكل مؤقتة” وخيام طبية حرارية متطورة تم نصبها في الساحة الغربية لمشفى لاندستول، إذ تشير هذه الهياكل بوضوح إلى أن المشفى قد تجاوز طاقته الاستيعابية القصوى المقدرة بـ 500 سرير، ما استدعى إنشاء وحدات فرز طبية ميدانية لعزل المصابين الذين يعانون من إصابات دماغية معقدة، وهذا ما يفسر التناقض الصارخ بين تقارير عائلات المجندين الذين
يؤكدون فقدانالاتصال بأبنائهم وبين البيانات الرسمية التي تتحدث عن “إصابات طفيفة”، حيث يتم تصنيف الجنود المصابين بارتجاجات دماغية كـ “إصابات غير قتالية” في الإحصائيات الأولية بهدف تهدئة الرأي العام ومنع تسرب أخبار “المفرمة البشرية” إلى الصحافة التي تخضع لرقابة عسكرية مشددة.
فضيحة “المقاولين الصامتين”
في واحدة من أبشع فصول التعتيم الجنائزي، كشفت وثيقة الميزانية (FY26-22-EM) عن تخصيص مبلغ ضخم قدره 1.8 مليار دولار تحت بند غامض يسمى “تسوية عقود المقاولين”.
وبحسب تقرير مسرب من منصة “The Intercept” في 16 مارس، فإن هذا المبلغ خُصص لإبرام اتفاقيات تسوية خارج القضاء وعقود “صمت قانوني” (NDA) مشددة مع عائلات الفنيين والمقاولين التابعين لشركات كبرى مثل “V2X” و”KBR”، إذ إن هؤلاء المقاولين الذين سقطوا في هجمات المسيرات والصواريخ على “قاعدة علي السالم” و”برج 22″ وفي “حقل العمر” بسوريا، وفي قواعد قطر والبحرين والسعودية والكويت، لا يدرجون في قوائم القتلى العسكريين الرسمية، بل يتم التعامل معهم كضحايا “حوادث مهنية”، وقد رصدت تقارير استخباراتية روسية في 8 مارس نشاطاً مكثفاً لآليات نقل الجثامين في قاعدة موفق السلطي في ساعات الفجر الأولى، تزامناً مع رحلة طائرة “C-17” التي اتجهت بصمت نحو قاعدة “دوفر” الجوية، حيث يتم استقبال “توابيت الجنود القتلى” التي لا تحمل أسماءً علنية لضمان عدم خروج الحقائق إلى العلن.
إغلاق صفحات العائلات
مع تصاعد القلق بين عائلات الجنود، شهد تاريخ 20 مارس ظاهرة رقمية مريبة تمثلت في الإغلاق المفاجئ والمنظم لصفحات “مجموعات الدعم” الخاصة بعائلات الفرقة الجبلية العاشرة والفرقة 82 المحمولة جواً، وذلك بعد أن بدأت تلك الصفحات تشهد تساؤلات صاعقة من أمهات الجنود حول سبب انقطاع الاتصال بأبنائهم في قاعدة “التنف” و”حقل كونيكو” بسوريا منذ نهاية شهر فبراير، وقد تزامنت هذه الإجراءات القمعية الرقمية مع تسريبات تؤكد صدور أوامر عسكرية صارمة للعائلات بالتزام الصمت مقابل صرف تعويضات نقدية فورية من “صندوق الطوارئ” المذكور في ميزانية لجنة القوات المسلحة، وهو ما يثبت أن المؤسسة العسكرية لم تكتفِ بقتل الحقيقة ميدانياً، بل طاردتها رقمياً، لا سيما بعد أن رصدت الأقمار الصناعية الصينية تدميراً كاملاً لثلاثة عنابر سكنية في حقل العمر بسوريا سقط فيها ما يقارب 44 فنياً لم تظهر أسماؤهم في أي بيان رسمي حتى هذه اللحظة.
حصاد الأرواح ومستقبل المواجهة
إن ما تكشفه هذه الجزئيات البسيطة وما يعززه الرصد التقني للأقمار الصناعية، يضع العالم أمام حقيقة واحدة، وهي أن القواعد الأمريكية قد أصبحت “مصائد موت” حقيقية للجنود والمقاولين الذين دفعوا ثمن المغامرات العسكرية لخدمة النخبة الصهيونية، وبينما يستمر البنتاغون في الإصرار على أرقامه الهزيلة التي لا تتجاوز العشرات، فإن “جسر الدم” الجوي الممتد إلى ألمانيا، واستنفار بنوك الدم، وتراكم توابيت الألومنيوم في قاعدة دوفر، كلها مؤشرات مادية مرعبة تؤكد أن حجم الخسائر البشرية قد تجاوز كافة الخطوط الحمراء، وسيبقى مارس شاهداً على الانهيار البشري الأكبر للآلة الحربية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين.
وسنخصص ملف كامل لكشف ما وراء التعتيم العسكري الأمريكي والأرقام الحقيقية لقتلى وجرحي الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على إيران في العدد القادم إن شاء الله.
